الأصدقاء الأعداء
8 مارس, 2026من أنت يا ترى؟
د. غياث الإسلام الصديقي الندوي
الحياة ذات ألوان و أوضاع، يعيشها الإنسان، والشغل الشاغل لكثير من الناس هو بذل المساعي المكثفة في تحقيق الأهداف المهنية وبناء المستقبل المشرق لأنفسهم ولأولادهم، فيشتغلون بنشاطات متنوعة في ساحات شتى، وفي خضمها كثيراً ما ينسون حقيقة وجودهم، ومسؤولياتهم الأساسية.
فسؤال يتردد في الذهن ويهزّ النفس ويخز الضمير أحياناً، ويحشو في أحشاء القلب منذ زمان: “من أنت يا تُرى، وما هي حقيقتك؟” و في البحث عن جوابه لجأ الذهن إلى القلم، فبدأ يكتب ويجيب، ويستهلّ ذلك بشرح هذا السؤال:
-من أنت يا تُرى؟ ما هي حقيقتك؟ هل أنت أديب أو شاعر، خطيب أو مفكّر، طبيب أو تاجر، موظف أو مدير، حاكم أو محكوم، قاضٍ أو مُحامٍ، مهندس أو مُحاسب، غني أو قوي، معلّم أو تلميذ؟ هل شيء من ذلك حقيقتك؟
ثم يكشف الغطاء عن حقيقة هذه الأوصاف، ويبدي عدم دوامها:
-لا، بل كلّ ذلك من الانتماءات التي تنتمي إليها في هذه الدنيا لأجل مسمى، وهذه الأوصاف لا تدوم مع أحد من الناس ولا تغنيه إذا جاء أجله المحتوم و رحل إلى دار القرار. وإنما يصاب الإنسان بالوهم والغرور، فيظنّ كلّ ذلك حقيقته، وينسى بدايته ونهايته. فيا تُرى ليست حقيقتك بشىء منها.
وعقب ذلك، يلفت القلم انتباه المشهد إلى حقيقة وجود الإنسان، ورحلته من التراب إلى دار الآخرة:
-وفي الواقع أنت مَن خلقه الله سبحانه مِن تراب، ثم “مِن ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب”. وأنت مَن جاء إلى هذا العالم مِن التقاء الأبوين لتقضي حياتك إلى أمد محدود على وجه الأرض، ولتُظهر ما في وجودك وكيانك من سعادة أو شقاء، ثم سترجع إلى ربّك العزيز، وتأوي إلى مرقدك الأخير لتواجه أسئلة المنكر والنكير، فتُبعث منه يوم القيامة، وسترى ما كسبت في هذه الدنيا من أعمال الكرامة أو الندامة، وسوف تُجزى بكلّ ما عملت فيها.
وبعد إيضاحات القلم، انحنى الرأس شيئا في الموافقة عليه، وخضع القلب تعظيماً له، ولبّت المشاعر والأحاسيس نداءه، واستنتج الجميع من كلامه أن ابتغاء وجه الله تعالى هو الهدف الأسمى “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون” من خلال القيام بواجباتهم في الحياة الفردية والاجتماعية، وهو سرّ حياة الإنسان، وغاية خلقه.

