من نبوءة الندوي إلى إبستين.. ماذا خسر العالم حين غابت القيم؟
25 مايو, 2026كتاب “تاريخ النقد الأدبي العربي من القرن الأول إلى القرن الرابع الهجري”
25 مايو, 2026قراءة في العلاقة بين العقيدة الإسلامية والتقدم الإنساني والعلمي
فزع خليل إبراهيم العبيدي
في خضم التحولات الفكرية المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، تبرز إشكالية عميقة تتعلق بموقع الدين في الوعي الجمعي، ودوره في تشكيل القيم والسلوك، هذه الإشكالية لا تتبع. كما يشاع – من تعارض جوهري بين الدين والعلم، أو بين الإيمان والحداثة، بل من خلل في فهم الدين ذاته، ومن توظيف بشري قاصر يلبس أراءه ثوب القداسة.
لقد أصبح من الضروري إعادة طرح سؤال جوهري:
هل المشكلة في الدين بوصفه وحيا، أم في الفهم البشري الذي يتعامل معه؟
إن التمييز بين النص المقدس والتفسير البشري ليس ترفا فكريا، بل هو المدخل الحقيقي لفهم الأزمة الأخلاقية والمعرفية التي تعاني منها كثير من المجتمعات ذات الخلفية الدينية. فحين يخلط بين المقدس والبشري، تتحول الاجتهادات إلى ثوابت، والآراء إلى مسلمات، ويُغلق باب النقد باسم الإيمان.
الدين كقيمة محررة… لا كأداة تبرير
في جوهره، جاء الإسلام ليحرر الإنسان، لا ليكبله، حرره من عبودية الخرافة، ومن سلطة الوساطة، ومن استلاب العقل. وقد جعل من التفكير فريضة، ومن المساءلة أساسا للمسؤولية ومن العدل قيمة مركزية لا يمكن اختزالها في الشعارات.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الدين من منظومة قيمية تحاسب الإنسان، إلى مظلة بيرر بها أخطاء عندها لا يعود الدين عامل إصلاح، بل يصبح – في صورته المشوهة – أداة لتعليق الفشل على شماعة الإرادة الإلهية”، أو لتبرير التقصير بعبارات غيبية تفرغ المسؤولية من معناها.
وهنا تتجلى المفارقة: إن أكبر خطر يواجه الدين ليس النقد الخارجي، بل التوظيف الداخلي الخاطئ الذي يسيء إليه باسم الدفاع عنه.
بين العقيدة الحقة والعقيدة الادعائية
يمكن فهم هذا الخلل من خلال التمييز بين نمطين من التدين
أولا: العقيدة الحقة:
وهي منظومة الوحي في صفائها، التي تُعلي من شأن الإنسان باعتباره كائنا عاقلا مسؤولا، وتربط الإيمان بالعمل، وتؤكد على أن الكرامة الإنسانية لا تنفصل عن الحرية والعدل. هذه العقيدة لا تخشى السؤال، بل تدعو إليه، ولا تقصي العقل، بل تحتفي به.
ثانيا: العقيدة الادعائية:
وهي خطاب بشري يتلبس بالقداسة، يرفض النقد، ويستثمر العاطفة بدل الحجة، ويستخدم –في كثير من الأحيان – للهروب من المحاسبة أو لتكريس سلطة اجتماعية أو سياسية وفي هذا النموذج يتحول الدين إلى أداة ضبط لا أداة وعي، وإلى خطاب إقصائي لا منظومة أخلاقية جامعة إن الفجوة بين هذين النموذجين هي التي تحدد اتجاه المجتمعات إما نحو النهوض الأخلاقي والمعرفة، أو نحو الجمود والانغلاق.
الإسلام والعلم علاقة تكامل لا تصادم
من الأخطاء الشائعة في الخطاب المعاصر تصوير العلاقة بين الإسلام والعلم على أنها علاقة تناقض، غير أن هذا التصور لا يستند إلى جوهر العقيدة الإسلامية، بل إلى قراءات تاريخية أو ممارسات بشرية محدودة.
لقد ارتبطت نشأة الحضارة الإسلامية بازدهار علمي وفكري غير مسبوق، حيث كان العلم جزءا من العبادة، وكان البحث في الكون سبيلاً لفهم عظمة الخالق. ولم يكن السؤال العلمي يقابل بالرفض، بل بالتشجيع، لأن الإيمان في حقيقته لا يتعارض مع المعرفة، بل يتعمق بها.
إن النصوص المؤسسة في الإسلام تدعو إلى:
1. النظر في الكون
2. التأمل في الظواهر
3. استخدام العقل
4. بناء المعرفة
وهذه كلها تشكل الأساس لأي نهضة علمية حقيقية. لكن المشكلة تظهر حين يُقدم فهم ضيق للدين يضعه في مواجهة الاكتشافات العلمية، أو حين يختزل الإيمان في رفض كل جديد بدعوى الحفاظ على الثوابت، هذا النمط من التفكير لا يحمي الدين، بل يعزله عن الواقع ويفقده قدرته على الإسهام في تقدم الإنسان.
الجيل الجديد… والبحث عن المعنى
نحن اليوم أمام جيل مختلف جيل لا يكتفي بالتلقي، بل يسأل ويحلل ويقارن هذا الجيل لا يرفض الدين بالضرورة، لكنه يرفض الخطاب الذي يُصادر عقله أو يطلب منه الإيمان دون فهم. ومن المفارقات أن هذا الجيل – رغم جرأته النقدية – قد يكون أقرب إلى جوهر الرسالة الإسلامية من بعض الخطابات التقليدية، لأنه يبحث عن:
1. المعنى لا الشكل
2. القيم لا الشعارات
3. المسؤولية لا التبرير
إن التحدي الحقيقي ليس في إقناع هذا الجيل بالإيمان، بل في تقديم نموذج ديني يقنعه بأن الإيمان لا يتعارض مع العقل، ولا مع الحرية، ولا مع الكرامة الإنسانية.
نحو خطاب ديني معاصر
ما تحتاجه اليوم ليس الدفاع الانفعالي عن الدين، بل إعادة تقديمه في سياقه الحقيقي كمنظومة أخلاقية تدعم الإنسان في مسيرته نحو التقدم، خطابٌ:
1. يعترف بأن الفهم البشري قابل للخطأ.
2. يفتح باب المراجعة والاجتهاد.
3. يفصل بين قداسة النص ونسبية التفسير.
4. يرى في العلم شريكاً لا خصما.
5. يتعامل مع النظم المدنية الحديثة بوصفها أدوات لتنظيم الحياة، لا تهديدا للإيمان.
إن هذا النوع من الخطاب لا يُضعف الدين، بل يعيد له حيويته، ويحرره من الاستخدامات الأيديولوجية التي أرهقته.
الدين بين النهضة والانحدار
حين يفهم الدين بوصفه قوة أخلاقية تدفع الإنسان نحو العمل والعدل والمعرفة، فإنه يصبح محركاً للتقدم وحين يستخدم كغطاء لتبرير الأخطاء أو لتعطيل النقد، فإنه يتحول إلى عامل إعاقة، ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين: الدين والعلم أو التدين والعلمانية بل بين إيمان صادق يُحرر الإنسان وتدين ادعائي يقيده باسم القداسة.
السؤال الذي يصنع المستقبل
في الختام إن إنقاذ الدين اليوم لا يكون بالدفاع عنه ضد خصومه بل بتحريره من التوظيف الخاطئ الذي يسيء إليه من داخله. فالدين الذي يتماشى مع الفطرة الإنسانية، ويحتفي بالعقل
ويُعلي من قيمة العلم، لا يمكن أن يكون عائقاً أمام التقدم.
أما التشويه الذي يلحق به، فهو نتاج فهم بشري يحتاج إلى مراجعة، لا إلى تقديس، ويبقى السؤال مفتوحاً، لا كمجرد تأمل فكري، بل كخيار حضاري سيحدد ملامح المستقبل:
هل تريد دينا ينهض بالإنسان… أم غطاء يبرر أخطاءه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية النخب وحدها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله، يسعى لأن يمنح الدين مكانته الحقيقية، والعلم دوره الطبيعي، والإنسان كرامته التي لا تكتمل إلا بهما معا.

