من الاتكالية إلى الذاتية
21 أبريل, 2026الحوار كفيل بحل المشاكل وتسوية النزاعات
د. محمد وثيق الندوي
الحوار وسيلة فعالة لحل المشاكل، وتسوية النزاعات، وفك الاشتباكات، وبه يتمُّ التفاهم والتعايش والتواصل بين طرفين مختلفين، إذا جرت المحادثة والمناقشة بروح الاعتراف المتبادل، والانفتاح على الآخر، ويزول التنابز والتنافر والصراع وسوء الفهم بالحوار إذا كان بذهن منفتح بعيدًا عن الحقد والاستعلاء، ولكن إذا كان الصراع والمجابهة مفروضًا ومتعمدًا لا يزول هذا الصراع بالمحادثات والحوار مهما طال وتجدَّد وتنوَّع.
إن الحضارة تستمد قوتها من المبادئ التي تنبثق منها، وتكتسب شروط البقاء والاستمرار من تفاعلها مع الحضارات والثقافات القديمة والمعاصرة لها، فتتلاقح وتتبادل معها التأثر والتأثير، ولا تتصارع معها، وإنما تتدافع، لإن التدافع هو سنة الله في الكون، فإذا اتسمت حضارة بطابع الصراع ومالت إلى التصادم، أفرغت من مضانينها الإنسانية، وفقدت خصائصها الثقافية والفكرية، وحكمت على نفسها بالتلاشي والانهيار، فالحضارة التي تستحق أن توصف بأنها حضارة إنسانية، لا تتصارع ولا تتصادم مع الحضارات الأخرى، لأن في ذلك ما يتنافى وطبيعة الحضارة من حيث هي، وإنما البشر من ذوي الإرادات غير السوية هم الذين يتصارعون ويتعاركون ويتحاربون، وهم في هذه الحالة لا ينسبون إلى الحضارة التي يعيشون في كنفها.
ولما كانت الحضارة قوة بارزة وحركة فاعلة تتراكم بإرادة الخير لا بإرادة الشر، وتنطوي على قيم الحق والعدل والإنصاف والسلام، فإنها أبعد ما تكون عن الاتجاه الذي يدفع إليه الذين في نفوسهم مرض، والذين جبلوا على فعل الشر، والسعى في الأرض بالعبث والفساد والإساءة إلى البشرية، وإلى الأمة التي أخرجت لإنقاذ الإنسانية من الهلاك والدمار.
لا يرجع موقف الغرب نحو العالم الإسلامي إلى سوء المعرفة، بل يرجع إلى خطة مدروسة، ومؤسسة على تزوير وتلفيق تستمر منذ مئات السنين، وقد كان ذلك محدودًا ومحصورًا في الكتب، فكان محدودًا في الطبقات المثقفة بالثقافة الغربية وفي الأوساط المتغربة، وكان فيها المسلمون الناشئون في تلك البيئة المعادية للإسلام، وروج هذه النظرة المعاندة والعمل المضلل الإعلامُ الدوليُّ الذي فرضت عليه فكرة عرض الإسلام بأنه مصدر الإرهاب، والعالم الإسلامي بإنه محصن الإرهاب والتطرف، وأن الحرية والمساواة والتسامح من القيم المفقودة فيه، مع أن المطلعين على أوضاع العالم يعلمون أن مثل هذه الأوضاع السائدة في أي منطقة، مفروضة عليها من القوى الغربية والنظم المتواطئة معها، وكل من يطالع تاريخ الصهيونية العالمية ودور الدول الغربية يصادف هذه الحقيقة، وإن الوضع الرهن يشهد بذلك.
ولا يتحقق أي تحسُّن في الوضع الذي يعيشه العالم إلا إذا عادت الطبقة المظلومة المكبوتة إلى مائدة الحوار، وأعيدت إلى هذه الطبقة الحريةُ للمشاركة في بناء الحضارة العالمية، ولا يتم اللقاء والحوار إلا بتوقف سائر المحاولات والمخططات للتدخل في الشوؤن الداخلية سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، وإذا تمَّ الحوار بذهن مفتوح بعيدًا من الصدام والصراع،عاد العالم إلى مجراه الطبيعي، وزالت المخاوف من النفوس، وتحقق التعايش السلمي، وساد التفاهم، وسعدت الإنسانية، وعمَّ جو الأمن والسلام والمحبة والأخوة والمؤاساة في العالم.
فالحوار – كما كتب الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي رحمه الله في كتابه “إلى نظام عالمي جديد”– “وسيلة من الوسائل المؤثرة لحل المشاكل وتسوية الخلافات القائمة بين فريقين أو فرقاء، إذا كانت غايتهم التفاهم حقيقة، وقد سُوِّيت بهذا الطريق مشاكل معقدة، كانت قد أدَّت إلى سفك دماء الأبرياء في التاريخ المعاصر، وفي قديم الزمان، وأصبح أشد الأعداء الذين انغمسوا في سفك الدماء بينهم وتدمير الممتلكات أصدقاء متعاونين، فقد كان الحوار الذي جرى في غاية من السرية بين الصين الشيوعية وأمريكا اللتين كانتا في حالة مجابهة منذ مدة طويلة أداة للتعاون، وقامت العلاقات بين البلدين، كما سويت مشكلة فيتنام بإجراء المفاوضات بعد ما قررت أمريكا حل القضية سلميًا، وإنهاء الحرب”.
فقد خرجت قوى متحاربة ودول متصارعة من حالة حرب ومجابهة إلى حالة صداقة ومناصرة بالمحادثات في التاريخ المعاصر، وإذا تمسَّك أحد الأطراف في قضية بوجهة نظره، وغلبت عليه الأنانية والاستعلاء، فيستمر الصراع، وتبقى حالة الحذر، والاحتراس من الفريق الآخر، وتتوسع الفجوة بمرور الزمن، وتتصاعد الشكوك، وتزداد الكراهية والعداء، ويشتد الأمر، ويتفاقم الوضع، ويرتفع الأمن والسلام، ويسود الخوف والذعر، وتتحول النزاعات الإقليمية إلى حرب عالمية، كما يبدو من الوضع الراهن، وغطرسة القوة العالمية.
فإن الحوار وسيلة من الوسائل التي تساعد في إيجاد التفاهم والتعايش السلمي بين بني البشر، وفي إقامة المجتمع الإنساني على قواعد من التواصل والتعارف والتعاون، وإعمار الأرض، عند ما يكون المناخ صحيحًا، والنية صحيحة، ويكون الهدف إنقاذ الإنسانية من البلايا والرزايا، وأما إذا غلبت الأنانية، وحاولت الأطراف لفرض هيمنتها بالقوة والقهر والإكراه، تشقى الإنسانية، وينتشر الدمار والفوضى، ولم يتحقق السلام العالمي.
هذا، ومما يُعقِّد القضايا والأزمات، والصراعات والنزاعات، واستعصاء معالجتها، أنه لا توجد في العالم اليوم قوة محايدة، ولا هيئة محايدة، ولا محكمة عادلة، ولا قوة تتوسط بعدل ومبدئية في القضايا والصراعات العالمية، وتمنع الظالم من الظلم، وتنصر المظلوم، وهو وضع يهدد العالم الإنساني اليوم، وقد أصبحت المنظمات والهيئات العالمية والمنابر الدولية لعبة في أيدي القوى العالمية التي لا يهمها إلا المصالح السياسية والأغراض المادية، فتستغل معاناة البشر للاستعمار، وتستغل الظروف لتحقيق الأغراض السياسية، فلا تنحل قضايا العالم ومشاكل الإنسانية إلا بوجود قوة محايدة عادلة تقف سدًّا منيعًا لدى حدوث كل أزمة من أزمات العالم بدون انحياز أو غرض سياسي.
إن واقع العالم اليوم، واقع مؤلم للغاية،الحروب والصراعات الدامية تجري بتأييد من القوى العالمية والدول الكبرى، ويجري استعباد الشعوب وقهرها بنطاق أوسع، فكأن صلاحية التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، فقدت، ومات الضمير الإنساني، ووضعت غشاوة على العقول، وران على القلوب، فإحلال الأمن والسلام، وإيجاد جو التعايش السلمي يحتاج إلى الحوار والتصالح بدل الحروب وسفك الدماء، وإلى قوة عالمية محايدة عادلة تمنع المعتدي من الاعتداء، وتنصر المعتدى عليه،وتتوسط في معالجة القضايا بالعدل والمبدئية.

