مشكلة المشكلات؟!

مفاتيح النجاح الدراسي
16 يونيو, 2026
مفاتيح النجاح الدراسي
16 يونيو, 2026

مشكلة المشكلات؟!

د. محمد وثيق الندوي
استعرت هذا العنوان مما كتبه محمد الحسني رحمه الله منشئ مجلة البعث الإسلامي في مقال له فيقول: “مشكلتنا الأولى والأساسية ليست هي إسرائيل، ولا أمريكا ولا روسيا، إنها ليست هي الجمعيات السرية، والحركات الهدامة، والمخططات الرهيبة، التي تركز على هدم الإسلام، وتقويض أركانه، إنها ليست هي القومية والثورية، ولا الماركسية والشيوعية، والإباحية، وليست هي الحروب المدمرة، ولا الأسلحة النووية، والغازات السامة.
ولكن مشكلتنا الأولى والأساسية هي الردة التي تتسرب إلى عقول الشباب المسلم، وأذهان الجيل الصاعد، ومشكلتنا الأولى هي الإلحاد الذي وقعت أو تقع فريسة له، الجماهير المسلمة من غير أن تشعر به”.
الواقع أن مشكلة الأمة الإسلامية اليوم ليست هي قلة الوسائل والعدة والعتاد، بل مشكلتها الأولى والأساسية هي غياب الإيمان الراسخ الصحيح الذي كان حارسًا لأمانة الإنسان وعفته وكرامته، وسدًا منيعًا أمام الشهوات والمطامع والإغراءات والإملاءات، وفي الخلوة والوحدة، حيث لا يراه أحد، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحدًا، فقد تجلى الإيمان بمعنى الكلمة في المؤمنين في القرون الأولى المشهودة لها بالخير،وتجسد أثره في أخلاقهم وميولهم، فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان العميق الصحيح انقلابًا عجيبًا، فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهرًا لبطن، تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره، وجرى منه مجرى الروح والدم، واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها، وغمر العقل والقلب بفيضانه، وجعل منه رجلاً غير الرجل، وظهر منه من روائع الإيمان واليقين، والصبر والشجاعة، ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة، وتاريخ الأخلاق، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق، كما كتب الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي.
ومن مشكلاتنا الأساسية: حب الزخارف والمظاهر الجوفاء، بينما كان الصحابة والسلف الصالح يستهينون بالزخارف والمظاهر الجوفاء، ولقد بعث فيهم الإيمان بالآخرة شجاعة خارقة للعادة، وحنينًا نادرًا إلى الجنة، واستهانة نادرة بالحياة “تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي عين، فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء”.
ومشكلتنا الأساسية هي الأنانية والأثرة والمخاصمة،والغفلة والترهل، والإخلاد إلى الأرض، فالطاعة والامتثال والانقياد والإيثار والتضحية وتحمُّل المرائر والمصائب, والجدية والصرامة، قد فقدت، وانتشرت الفوضي في الأعمال والأخلاق والسلوك، والأخذ والترك، والسياسة والاجتماع.
ومشكلتنا الأساسية هي التفرق، التفرق في الصف، والتفرق في العمل، ومن مشكلاتنا التحاسد والتنابذ، والعداء والتباغض،وتفضيل المصالح الشخصية على المصالح الاجتماعية، وغياب روح التضامن والتعاضد، والتنظيم والتخطيط، والتنسيق، والتناسب والتوازن….
وهذه المشكلات وغيرها تنبع من المشكلة الأساسية وهي مشكلة الإسلام واللاإسلام، أوالدين واللادينية، فمن أولويات العمل الإسلامي اليوم، إيجاد الإيمان الراسخ الصحيح في أبناء الأمة الإسلامية،ولمّ شملهم، والقضاء على ما فيهم من الأنانية والاستكبار، والتنازع والتخاصم، وتربيتهم تربية إسلامية عميقة شاملة للأخلاق والتفكير، تجعل منهم: أميرًا عادلاً، وخازنًا وإداريًا أمينًا، وقاضيًا منصفًا، وقائدًا عابدًا، وواليًا متورعًا، وجنديًا متقيًا، وداعية ومعلمًا مخلصًا، وبفضل هذه التربية الدينية الراسخة سيُوجد رجال يفضلون جانب الهداية على الجباية،ويؤثرون الآخرة على الدنيا، ويجمعون بين الصلاح والكفاية، فيظهر النظام الإسلامي بمظهره الصحيح، وتتجلى الحياة الإسلامية بأروع خصائصها وأجمل مظاهرها وأكمل صورها بإذن الله، فتحصل الغلبة والنصر، وتسعد الإنسانية، ويحل الأمن والسلام في العالم، فهل من مجيب؟!.