شرح العقائد للعلامة التفتازاني

قرأت لك
18 مايو, 2024
قرأت لك
18 مايو, 2024

شرح العقائد للعلامة التفتازاني

بقلم: د. محمد أكرم الندوي (أوكسفورد)
لقد طالعتُ “شرح العقائد” عدة مرات مطالعةً منتظمة، ودرَّستهُ كذلك لجمع من الطلاب والباحثين في أوكسفورد ولندن، وخلال هذه الدروس، قمتُ بشكل خاص بإجراء دراسة مقارنة بينه وبين العقيدة الطحاوية والعقيدة الواسطية، لكي تتضح المناهج والأساليب والنتائج المختلفة للمصادر العقدية بشكل كامل. ومن خلال هذه الدروس وهذه الدراسة المقارنة، ستتمّ في السطور القادمة مناقشة شرح العقائد، بهدف إزالة الالتباسات عن أذهان القراء وفهم الموضوع في إطار متوازن وواضح وصحيح.
إن متن هذا الشرح هو العقائد النسفية للمؤلف العلامة أبي حفص نجم الدين عمر بن محمد النسفي الحنفي (461–537هـ)، والذي كان ممثلاً بارزًا لمذهب الماتريديّة في علم العقيدة والكلام، وقد أشاد المؤرخون عمومًا بنبوغه العلمي وصلاحه، مع أن بعضهم انتقده في مجال الحديث، يقول الإمام السمعاني (506–563هـ) عن النسفي: “وأما مجموعاته في الحديث فطالعت منها الكثير وتصفحتها فرأيت فيها من الخطأ وتغيير الأسماء وإسقاط بعضها شيئًا كثيرًا، وأوهامًا غير محصورة”، ويقول: “وكان ممن أحب الحديث وطلبه ولم يُرزق فهمه” (التحبير في المعجم الكبير 1/235).
كتاب (العقائد النسفية) مبني على المذهب الماتريدي، وقد قام العلماء المتأخرون من أمثال العلامة التفتازاني وبعض المتكلمين من تقليل فروق عديدة بين الماتريديّة والأشعرية إلى حد كبير.
كُتبت شروح عديدة على العقائد النسفية، وأشهرها وأكثرها تأثيرًا شرح العلامة التفتازاني، واسمه الكامل: أبو سعد سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (722–792هـ). ويختلف أهل العلم حول مذهبه الكلامي، هل كان ماتريديًّا أم أشعريًّا، والرأي الراجح أنه كان أشعريًا.
لم يذكر العلامة التفتازاني مصادره في شرح العقائد صراحة، إلا أن الدراسة المقارنة تظهر أن مصادره الأساسية:
1. نور الدين الصابوني (ت580هـ) في كتابه البداية من الكفاية في الهداية من أصول الدين، وقد نقل التفتازاني عبارات كثيرة منه بلا ذكر المصدر.
2. وأبو المعين النسفي (ت508هـ) في تبصرة الأدلة في أصول الدين.
3. وأبو المعين النسفي أيضًا في التمهيد في أصول الدين.
4. وأبو الثناء اللامشي (ت539هـ) في التمهيد لقواعد التوحيد.
ألف التفتازاني شرح العقائد سنة 768هـ. تبدأ الكتاب بالقول في حقائق الأشياء، وأسباب العلم، والعالم بجميع أجزائه محدث، وتنتهي بالقول في أن المجتهد يخطئ ويصيب، ورسُل البشر أفضل من رسل الملائكة ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة.
ومن المهم التنويه إلى أن شرح العقائد لا يمكن اعتباره كتابًا ممثلًا لعقائد الإمام أبي حنيفة، إذ أن التمثيل الأوثق لعقائد الإمام أبو حنيفة موجود في كتاب العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي، وثمة فروق واضحة بين هذين الكتابين في المضامين ومناهج العرض، فشرح العقائد يغلب عليه الطابع الكلامي والفلسفي، بينما العقيدة الطحاوية مرتكزة على منهج المحدثين ونصوص الشرع.
يتضح في هذا الكتاب اختلاط واضح بين الفلسفة وعلم الكلام، خصوصًا في دليل الحدوث المستمد من المتقدمين الأشاعرة. وقد اقتبس التفتازاني عبارات المتقدمين بكثرة ودون ذكر المصادر، مما أكسب الكتاب الطابع الكلامي الفلسفي بشكل بارز.
وخصص التفتازاني مصطلح أهل السنة والجماعة للأشاعرة فقط، حيث يقول بعد نقل قصة: “فسموا أهل السنة والجماعة” (ص11)، وكرر ذلك في مؤلفاته الأخرى، مع أن هذا المصطلح كان معروفًا منذ عهد الصحابة، واستخدمه التابعون كذلك، بل إن الإمام أبا الحسن الأشعري استخدمه لوصف المحدثين. إن تقييد المصطلح لمذهب واحد يؤدي إلى تصور خاطئ لدى القارئ بأن غير الأشاعرة خارجون عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهو خطأ فادح.
واعتبر التفتازاني العقل مصدرًا مستقلًا للعقائد، ويفضل العقل على النقل عند التعارض، خلافًا لما عليه الصحابة والتابعون والأئمة السابقون الذين جعلوا القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان للعقائد، والعقل تابع لهما فقط.
ويلاحظ أن التفتازاني لم يستفد استفادة كافية من نصوص القرآن والسنة في إثبات صفات الله، وظهر عند بعض الدارسين تبرير ذلك بأنه كتاب وضع للتعامل مع غير المسلمين، لكن هذا غير مقبول، لأن شرح العقائد في الأصل موجَّه للرد على المعتزلة، وهم يؤمنون بالقرآن، إضافة إلى أن القرآن نفسه استخدم الحجج العقلية، فلا عذر لمن أعرض عن أدلة كتاب الله تعالى.
وأكد شرح العقائد بعض القصص حول كرامات الأولياء، مثل الطيران، أو أن الكعبة قد تزور بعض الأولياء، يقول العلامة ابن عابدين: “لكن في عقائد التفتازاني جزم بالأول تبعا لمفتي الثقلين النسفي، بل سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحدا من الأولياء هل يجوز القول به؟ فقال: خرق العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة” (حاشية ابن عابدين 3/551)
لم أجد هذا النص في شرح العقائد، ولكنه موجود في شرح المقاصد للتفتازاني، وهو تصور لا يتوافق مع النصوص القطعية. وهذا خلاف ما ورد في العقيدة الطحاوية، حيث الكرامات مقبولة بشكل عام، لكن لا يصل الأمر إلى خرق العادة بهذا الشكل.
واحتوى الكتاب على مسائل فقهية مثل مسح الخفين، ونبيذ التمر، “ولا نحرم نبيذ التمر” ص64، في حين أن جمهور الفقهاء يرون تحريمه، ما قد يعطي انطباعًا خاطئًا بأن من يخالف هذا الرأي خارج من نطاق العقيدة.
ومن أسباب إقصاء شرح العقائد من منهج دار العلوم ندوة العلماء:
1. أن ندوة العلماء تهدف إلى الإصلاح وتقريب جميع طوائف المسلمين، ويستلزم ذلك إبقاء مصطلح “أهل السنة والجماعة” عامًا وغير محصور في مذهب معين، بينما شرح العقائد يقيد المصطلح بالأشاعرة فقط.
2. وأن ندوة العلماء تعتبر القرآن والسنة المصدر الأساسي للعقائد، والعقل تابع لهما، في حين يجعل هذا الكتاب العقل حكمًا مستقلًا، وهو غير متوافق مع منهجها.
3. وأن إدخال مسائل فقهية خلافية في صلب العقيدة يؤدي إلى تضييق الفكر وإثارة العصبية، وهو ما تتجنبه ندوة العلماء في مناهجها.
وبناءً على هذه الأسباب، كان قرار ندوة العلماء بإقصاء شرح العقائد من المناهج التعليمية قرارًا متوافقًا مع أهدافها الأساسية في تعزيز الوحدة والاعتدال بين المسلمين، وليس نتيجة تحيز أو موقف ضد مذهب معين.