المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف
12 أكتوبر, 2025معالم الطريق إلى النجاة
11 ديسمبر, 2025زاد المؤمن في درب الحياة
عبد الرشيد الندوي
عن أبي ذَرٍّ جُندُبِ بنِ جُنَادَةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَوْصِني، قال: اتَّقِ اللهَ حَيثُما كُنتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُها، وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.
تخريج الحديث: أخرجه الترمذي (1978)، والدارمي (2833)، وأحمد (21403) واللفظ له، وهو حديث تكلم في إسناده إلا أن الترمذي حسنه، وذكره العراقي في تخريج الإحياء مع تحسين الترمذي، وفي بعض المواضع مع تصحيحه ساكتًا، وحسّنه الألباني، وقال شعيب الأرناؤوط في التعليق على المسند: حسنٌ لغيره. ولعلّه الصواب، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث: حديثٌ عظيمٌ يُوجِز لبَّ الدين في كلماتٍ معدودات، فهو وصيّةٌ نبوية تختصر سبيل السالك إلى الله: تقوى تُصلح الباطن، وتوبةٌ تجبر ما سلف، وأخلاقٌ تُصلح التعامل مع الخلق.
قوله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللهَ حيثما كنت»، أساس الأمر كلّه، فالتقوى ليست بتعميم الرأس، ولا بتقصير الثوب، ولا بتعليق السبحة، بل هي استشعارٌ دائمٌ لرقابة الله وحضوره في السرّ والعلن، في الخلوة والجلوة. من استشعر رقابة مولاه استقام ظاهره وباطنه، وأحسن في كل موضعٍ حلّ فيه.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُها»، فالبشر خطّاء، لكن الفارق بين الشقيّ والسعيد أن السعيد لا يُقيم على الذنب، ولا يُصرّ على المعصية، بل يقلق مضجعه ويطير نومه إن بدر منه ذنب، حتى يسعى إلى محوه بحسنةٍ، فذلك من صفات الأوّابين. والحسنة تمحو السيئة كما تمحو الشمسُ ظلمةَ الليل. فكم من زلّةٍ غفرها الله بدمعةٍ صادقةٍ أو عملٍ صالحٍ مُخلِص.
ثم أتمّ صلى الله عليه وسلم البناء بقوله: «وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ»، لأن العبادة التي لا تُثمر خُلقًا كالعطر في زجاجٍ مغلق. الدين لا يتمّ إلا بحسن المعاملة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أقربُكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنُكم أخلاقًا». فالخلق الحسن هو تاجُ التقوى، وبرهانُ التوبة، وزينةُ المؤمن في الناس. وما أكرم الورع حين يمتزج بالخلق فيُشمّ عبيره في السلوك والمعاملة.
فوائد الحديث:
– شمول الوصية للإصلاح مع الله ومع النفس ومع الخلق.
– أن التقوى أصل كل خير، وهي الرفيق في كل حال.
– أن الذنب لا يُغلق باب الرجاء، بل يوقظ الشعور ويجدّد العزم في قلب المؤمن.
– أن حسن الخلق دليل صدق الإيمان، وهو أثقل ما يُوضَع في الميزان.
إنها وصيةٌ تصلح أن تكون دستورًا للحياة: اتقِ الله، وجدد التوبة، وامحُ السيئة بالحسنة، وأحسن الخُلق. فمن جمع بين تقوى القلب، وصلاح العمل، وجمال الخلق، فقد جمع حقيقة الإيمان، ونال خيرَ الدنيا والآخرة.

