كتاب "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين”

قراءة في مقال للشيخ محمد الرابع الحسني الندوي بعنوان "إلى أين أيها العرب؟”
25 نومبر, 2021

كتاب "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين”

الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي

كلمة العلامة الشيخ محمد تقي العثماني الموقر/شيخ الحديث بجامعة دار العلوم كراتشي على كتاب محمد رسول الله رحمة للعاملين.

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد:

فإن فضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي حفظه الله ورعاه، شخصيّة علميّة بارزة في عصرنا، وإن وجوده بين ظهرانينا لَيُخفّف من وطأة الألم والحزن على ضمور الساحة الإسلامية وشُحّها من الرجال الذين يملؤون حياتنا علمًا وفقهًا وتوجيهًا وإرشادًا إلى سبل النهضة، وبعثًا لآمال عريضة في مستقبل واعد زاهر للإسلام، وجعل الأمة تعيش الإسلام علميًّا في البيت والشارع والمدرسة والمزرعة والمتجر وكلّ ميادين الحياة، وتعتقد اعتقادًا جازمًا أن لا عزّ لها إلا بالإسلام وأن لا تقدّم لها إلا باتباع شرعة محمد صلى الله عليه وسلم.

فقد وفقه الله تعالى لكثير من الخدمات العلميّة والدينية ومن أبرزها وأعظمها خدمة الحديث النبوي الشريف فقد قام بتحقيق كنوزه ونشر أمّهاته بجهود لا تعرف الكلل وخبرة واسعة حنّكَتها السِّنُون وصقلتها التجارِبُ الضاربة في التاريخ، فجعلت بحوثه ودراساته وتحقيقاته تَقْتَعِدُ محلاً لا يقتعده إلا أصحاب الهمم العالية المسلّحة بالعلم الواسع والمعرفة المتينة والخبرة العريقة.

إن علم الحديث الشريف إنّما هو في الحقيقة منجم بعيد الغور مترامي الأطراف يزخر بكنوز علميّة وحكمٍ بالغة وقيم أخلاقٍ رفيعة عالية، وفقه غزير الفوائد داني القطوف، وهو رافد أصيل لسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذه السيرة التي حُرّرت فيها المدوّنات والمطوّلات كما كتبت فيها الأجزاء والمختصرات، إلا أن بعضها اعتوره شيء من الإفراط، كما اعتور بعضها الآخر شيء من التفريط وعدم ضبط بعض الروايات والتدقيق فيما هو صحيح مقبول وما هو دون ذلك، حيث لم يُعن فيها بصحة الروايات وسُقمها العناية الكافية كما أن بعضها غلبت عليه الدراية على الرواية مما جعل بعض المعتقدات الدينية معرضة للخطر، الأمر الذي جعل أهل الذكر من حمأة الدين وحُرّاس الشريعة يستشعرون الحاجة الماسّة لكتاب في هذا المجال يسلك نهج الاعتدال فيتجنّب الإفراط والتفريط ويلتزم صحيح الروايات ومقبول الأخبار، ويُلبَسُ لغة متماهية مع لغة العصر متساوقة مع الأفهام السائدة التي يتداولها مفكّرو العصر وعلماؤه.

ووفاء بهذا المطلب قام فضيلة الدكتور الشيخ تقي الدين الندوي حفظه الله تعالى أولاً بتأليف هذا الكتاب باللغة العربية، الذي ابتهج به العلماء العرب ووضعوا فيه التقاريظ العديدة التي تنضح احترامًا وتقديرًا وتشجيعًا لجهود الشيخ حفظه الله تعالى، والآن يتم نشر نفس الكتاب اللغة الأردية، وبسبب كثرة أشغالي وازدحام المشاغل عليّ لم أستطع القيام بدراسة الكتاب بكامله رغم ما كنت أتمناه وأسعى إليه من الاستفادة منه والتضلّع من فرائده، لكن بحمد الله سعدت بالوقوف على أقسام عديدة منه وهي غنيّة بالحقائق والإضاءات والأشارات العلميّة التي جمعت بين الإمتاع والإفادة، لقد فصّل الدكتور الندوي حفظه الله مسائل السيرة العطرة وقضاياها وأحداثها الغنيّة المؤثرة، بطريقة تثير الإعجاب والرضا دون أن يُغفل الرعاية الكاملة لصحة الروايات حسب تحقيقه ودرايته الواسعة في هذا المجال.

لقد جاء الكتاب في ثلاثة مجلدات تحدّث فيها عن أحوال العالم زمن جاهلية العرب والبعثة النبوية إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أطنب في ذكر موسّع لآثار النبي صلى الله عليه وسلم وقد نالت أخلاق النبي العالية الرفيعة من الشيخ عناية بالغة، وفي النهاية أرخى العنان للحديث بتوسّع في مباحث تحقيقية حول المعجزات والمستشرقين ومكانة الخلافة الراشدة.

وقد أورد الشيخ حفظه الله أحداث السيرة النبوية العطرة متسلسلة حسب وقوعها، تاريخيًا، وساقها بأسلوب بليغ للغاية وآسر لدرجة أن المرء لا يستطيع الفكاك منه، ويتملكه شغف بمواصة القراء حتى يأتي على مجلداته بأكملها، أسأل المولى عز وجل أن يوفقني لهذا، آمين.