الجماهير المسلمة خير الجماهير في كل مكان

الإنسان مشتملاً على احتياجاته في حياته الدنيا
9 نومبر, 2020

الجماهير المسلمة خير الجماهير في كل مكان

الجماهير المسلمة خير الجماهير في كل مكان، في استعدادها لقبول السيرة الصالحة، والاتجاه الرشيد، وللانفعال لكلمة الحق، والاندفاع إلى العمل، ملبية للدعوة إلى الخير سواء تسكن في مشارق الأرض أو في مغاربها، فجميعهم على الجادة الواحدة، وعلى  صفات مماثلة، وذلك الذي سهل للقادة المسلمين مراراً أن يذيبوا الثلوج، وأن يعالجوا الأوضاع الراهنة بكفاءة ونجاح، فقد حدث  في التاريخ الإسلامي مراراً أن قام المسلمون في وجه الفساد، فأتوا بالمعجزات، فغيروا البيئات، وحولوا المجتمعات، وعند ما قاموا في وجه العدو أجبروه على الاندحار، ولكن ذلك لم يحدث إلا عندما حصلت للجماهير المسلمة قيادات مؤهلة، قيادات تتمتع بالإخلاص والإيمان والحكمة، وهي قيادات لا تنتجها مراكز التعليم الرسمي ولا بيئات المسلمين العامة، بل إنما تنتجها وسائل التربية النبوية الفذة الحاصلة من القرآن والسنة، والسيرة النبوية، وهذه الوسائل النبوية قد تؤدي دورها في التربية بصورة مباشرة، وقد تؤدي بوساطة مربين مخلصين هيأتهم رحمة الله سبحانه وتعالى لهذا العمل الجليل.

فالجماهير المسلمة بخير، وفيها كل الاستعداد للتحول من الأمة الضعيفة الواهنة المفككة الأوصال إلى أمة ذات صرامة وعصامية واستمساك، ولكن بشرط إخلاص قادتها وقوة إيمانهم وحكمتهم في العمل، ولقد شهد التاريخ الإسلامي أمثلة رائعة لقيادات إسلامية عملاقة في مجالات مختلفة من الحياة، في السياسة، وفي الدعوة، وفي التربية.

إن الجماهير المسلمة تفتقر إلى من يحرك فيها العاطفة الإيمانية، والحماس الديني، ويوحد صفوفها، وهي بحاجة إلى زعماء وقادة يملكون وسيلة لهذا التحريك، وأكبر وسيلة لهذا العمل هي إثارة الإيمان بالله وبرسوله، ولفت نظرها إلى ما يرضى الله به، ويكتب عليه مثوبة وأجراً في الآخرة، وهذا الإيمان هو الذي حمل جماهير الأمة الإسلامية على القيام بأدوار تاريخية جبارة في تبليغ دعوة الإسلام، وفي إنجازات علمية عظيمة، وفي مقاومة القوى الهدامة للفضائل الإنسانية، وفي القيام بالبطولات الحربية في مختلف أصقاع العالم، وما نهض المسلمون في مجال من المجالات الإنسانية إلا سبقوا غيرهم في ذلك المجال، وأتوا بما يشبه المعجزات، ولكنهم استطاعوا بذلك عندما حصلت لهم قيادة مؤمنة رشيدة، ونجد أمثلة من ذلك في ما استطاعه المسلمون تحت قيادة طارق بن زياد في فتح الأندلس، ومحمد الفاتح في فتح القسطنطينية، وما فعله سيدنا عمر بن الخطاب في سياسة البلاد المختلفة، وحكم العباد البسط، وما قام به سيدنا عمر بن عبد العزيز في إصلاح الأخلاق السياسية، وترشيد الحكم، وما فعل السلطان صلاح الدين الأيوبي في توحيد صفوف المسلمين، وإنعاشهم من الوهن الذي كانوا وقعوا فيه بتفرق كلمتهم، وتشتت أهوائهم، فبيض وجوه المسلمين، و رفع رؤوسهم التي كانت منكسة منذ ما يقارب قرناً واحداً .

فالقضية ليست قضية الجماهير فإنها بخير والحمد لله، وهي تحمل الاستعداد الكامل لحمل المسئولية المطلوب فيها حملها، ولكنها في حاجة إلى قادة يحسنون حمل المسئولية وأداءها بأمانة وإخلاص وإيمان، ثم إن مثل هؤلاء القادة يبرزون من الأمة نفسها، فإنه يمكن لأفراد الملة أن يحاولوا إعداد أنفسهم لمثل هذه المسئولية، وذلك بالتحلى بالإخلاص والإيمـان، واختيار صفات لائقة لهذه المكانة الرفيعة .

ومن فضل الله ومنته على المسلمين أنه لم يخل قرن من قرونهم وحقبة من تاريخهم من ظهور مثل هذه الشخصيات القيادية ممن زينوا أنفسهم بالصفات المطلوبة، فاستطاعوا مقاومة تيارات الباطل، والعمل لأجل استخلاص الأمة من حياة الذل والخنوع إلى حياة العز والسيادة، ومن حياة الضلال والانحراف إلى حياة الهداية والاستقامة .

فليس عجيباً أن يظهر في الأمة الإسلامية اليوم أيضاً من يحسن أداء المسئولية المطلوبة في الظروف الراهنة، فتخرج الأمة الإسلامية بجهده من الذلة إلى العزة، وتعود إلى ما يليق بها من المكانة والصيت، ولايبقى عار الذل في فلسطين وغير فلسطين، ولا تبقى عاهات خلقية واجتماعية نخرت وتنخر معنويات الأمة الإسلامية، وتحول بينها و بين استحقاقها لرحمة الله، فإن رحمة الله قريب من المحسنين .

لقد وصلت الأمة الإسلامية مرة أخرى إلى الحضيض السياسي والمدني، وأصبحت بحاجة إلى من ينهض بها ويوحد كلمتها، ويرفع رؤوسها، ويعينها بقوته الإيمانية، وحكمته الإسلامية، وهمته التي تعادل همة صلاح الدين، فيعيد أمته الإسلامية إلى منصة القيادة التي هي تستحقها، وهي خليقة بها، وما ذلك على الله بعزيز .

(محمد الرابع الحسني الندوي)