الآمال وباء الأعمال

شهر محرم الحرام
14 ستمبر, 2020
مكانة الصحابة
22 اکتوبر, 2020

الآمال وباء الأعمال

أخي العزيز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في عطلة من الصيف عزم طلاب إحدى الجامعة الكبرى على التنزُّه وترويح النفس من أعمال الدراسة المتعبة، فغادروا المدرسة إلى منطقة ثلجية باردة حيث الهواء الطيب النقي والشلالات الصافية العذبة والجبال الشامخة والأودية الخصبة، فاكتروا في تلك المنطقة حجرة مكيفة مزودة بجميع لذائذ العيش، ثم أسرعوا في الصباح الباكر للتمتع بما هناك من طيبات الحياة، فأكلوا وشربوا فشبعوا حتى إذا دنا المساء أرادوا الانصراف إلى مستقرهم الآمن راكبين على سيارة مكيفة تقيهم من الحرّ والبرد فما إن وصلوا إلى الفندق حتى صادفوا الظلام الحالك يحف الفندق العالي ذات النجوم الخمسة، والمصعدة الكهربائية متوقفة والناس في تفرُّق كأنهم يتقلبون على الجمر لشدة الحرارة وانقطاع الهواء، دخل هؤلاء الزملاء الفندق بتخبُّط وتعثُّر محاولين التجنب عن التصادم، وبشق الأنفس وجدوا طريقاً إلى السلالم فاضطروا إلى الصعود بها إلى مستقرهم الذي كان في الطابق 35 الخامس والثلاثين، ولاقوا في طريق الصعود من العناء والتعب ما أضعف قواهم وأنهك همتهم حتى ارتموا إلى جدار غرفتهم، وعلى وجوههم علامات اللغوب والتعب.

بعد أن تنفسوا قليلاً وأخذوا من الراحة شيئاً تفقدوا في جيوبهم مفتاحاً يدخلون به إلى الحجرة الخاصة بهم لكن ما وجدوه وتذكروا حين ذاك أنهم نسوه في السيارة تحت الفندق وما يملكون في أنفسهم من قوة النزول إلى الطابق الأرضي وأخذ المفتاح من هناك، فسقط في أيديهم وندموا على فعلتهم تلك وأسفوا على غفلتهم من أهم شيء أشد الأسف.

هذه القصة قرأتها في إحدى المجلات الأردوية فأعجبتني قراءتها وإن كانت مختلقة كاذبة لكنها ترشدني إلى حقيقة صادقة: حقيقة العالم الإنساني وحقيقة الإنسان الجهول وحقيقة فناء الدنيا وما فيها من دواعي السرور وملذات الحياة، وهي مثال صادق ينطبق تماماً على العالم فالإنسان -أيها الأخ- ربما يتجاهل عن هدف خلقه في هذا العالم وسر وجوده ومهمته العظيمة التي ألقيت على كواهله، ويشتغل بما لا طائل تحته، فيندم بما عمله في الآخرة حيث لا تنفعه الندامة وهي الحقيقة التي نفذت إليها البصيرة النبوية حيث انطلق بها لسان النبوة قائلا: عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إن أخوف ما أتخوف على أمتي الهوى، وطول الأمل، فأما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة، وهذه الدنيا مرتحلة ذاهبة، وهذه الآخرة مرتحلة قادمة، ولكل واحدة منها بنون، فإن استطعتم أن لا تكونوا من بني الدنيا فافعلوا، فإنكم اليوم في دار العمل، ولا حساب، وأنتم غدا في دار الحساب ولا عمل. (شعب الإيمان للبيهقي رقم:10132)

فكثيراً ما يتناسى الإنسان عن حقيقة الحقائق وسر خلقه في العالم ويشتغل بالتمتع بطيبات الحياة الفانية ويقصر في أخذ الأهبة للحياة الباقية حتى تغوص نفسه في بحر الذنوب والمعاصي فيرتكب ذنباً فوق ذنب وإثماً بعد إثم، وينسد أمامه طريق العودة إلى الاعتبار بالموعظة الإلهية والحقيقة الخالدة في العالم.

فتعال-أيها الأخ-أن نحاسب أنفسنا في هذه الدنيا وهي دار العمل والفناء، قبل أن نُحَاسَب في الآخرة وهي دار الجزاء والبقاء.

(محمد خالد الباندوي الندوي)