براعم الإيمان!

كتب مؤلفة حول جوانب مختلفة من السيرة النبوية
20 أكتوبر, 2019
براعم الإيمان! 16 نوفمبر 2019
28 نوفمبر, 2019

براعم الإيمان!

براعم الإيمان!

أخي العزيز!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لاشك – أيها الأخ – أن حياة حبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم نموذج عملي لكل أمر  من أمور الشريعة، وأسوة حسنة لنا في جميع مراحل الحياة من الولادة إلى الوفاة، ومن السوق إلى الحكم، ومن الدين إلى السياسة، وإلى الاقتصاد، والتعليم والتربية والاجتماع، وقد قدَّم الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة تغطي سائر الأحوال التي يمكن أن يواجها الفرد أو الجماعة أو الأمة كلها.

ولقد تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم – أيها الأخ – مع كل الأمور التي واجهته، بطريقة فذة، وبسنة مطهرة قدمت لنا كنوزاً هائلة من أساليب التعامل، ومن آداب العلاقات، وبرز في كل عمل من أعمال حياته وفي كل مجال من مجالاتها، العنصرُ الأخلاقي كعنصر مؤثر في حياته وسيرته المثالية، فمكارمُ الأخلاق تتجلى في أقواله وأفعاله ومواقفه، وفي السياسة والحرب والسلم، والتعامل مع الناس ولو كانوا أعداء ومخالفين له، والتعامل مع الكبار والصغار، ومع المساكين والأيتام والنساء، والخدم والمصابين بالأزمات والمشاكل.

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم – أيها الأخ – رحيماً بالضعفاء وكبار السن، بشوشاً سهل المعاملة رقيق القلب، وهذه الرحمة تتجلى في تعامله مع الكبار قولاً وعملاً، فقد روى البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط”.

فقدم صلى الله عليه وسلم الشيخ الكبير على حامل القرآن وعلى الحاكم العادل مع عظم قدرهما، وسُمُوِّ مكانتهما، وجاء شيخ ذات يوم يُرِيدُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم أن يوسعوا له، فرقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمه وقال: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”. فلا يوجد في العالم غير الإسلام قانون جعل احترام الكبير وتوقيره أصلاً من أصوله.

وما أروع ما قاله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم الفتح حين أتى بوالده أبي قحافه، وكان شيخاً كبيراً مسناً ليُسلِمَ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت الحرام فقال صلى الله عليه وسلم: “هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه”.

هذه هي – أيها الأخ – منزلة كبار السن في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه يرفض أن تطول الصلاة الجماعية مع حبِّه لها وتعظيمه لقدرها، لأن ذلك يشق على كبير السن وغيره من أصحاب الحاجات، فقد روى أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً، منه يومئذ، ثم قال: “إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة”. (رواه البخاري)

وإذا كانت هذه الرحمة – أيها الأخ – لعموم كبار السن فإنها أعظم وأجل في حق الوالدين، فإن الوالدين في كثير من الدول المتحضرة لا يجدان رعاية، ولا إحساناً ومعونة من أبنائهم بعد أن يتقدم بهما العمر، وتضعف منهما الصحة، ولكن الأمر ليس كذلك عند رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم، فهنا أحاديث عديدة توكد الإحسان بالوالدين ووعايتهما.

فعلينا – أيها الأخ – أن نحترم كبار السن ونوقِّرهم، ونهتمَّ براحتهم، وخاصة يجب علينا أن لا نقصِّر أي تقصير في رعاية الأبوين وراحتهما والإحسان إليهما مهما كلَّف ذلك، وكذلك الأساتذة والمعلمين الذين يعلِّموننا ويربُّوننا أحسن تربية، ولا يألون جهداً في بناء شخصيتنا، وسيرتنا وتهذيب أخلاقنا، وتثقيف ألسنتنا، وتنمية قدراتنا العلمية والأدبية والثقافية وتزويدنا بما يؤهلنا للقيام بجليل الأعمال، وعظيم المآثر، فهم أحقُّ باحترامنا وتقديرنا وهم أحقُّ الناس بالصحبة والإحسان بعد الوالدين.

(محمد وثيق الندوي)