طريق النجاح (الإصرار والعزيمة)

طريق النجاح (تحديد الهدف)
3 فروری, 2021
كن إيجابياً
21 اپریل, 2021

طريق النجاح (الإصرار والعزيمة)

أخي العزيز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحدثنا في المقال السابق – أيها الأخ – وفقك الله وسدد خطاك- عن الركيزة الأولى للنجاح وهي تحديد الهدف وسمو الغاية، ونخبرك الآن عن الركيزة الثانية للظفر بالمقصود والحصول على المطلوب، وهي الإصرار والعزيمة، فمن تحلى به فاز بالقدح المعلى موفقاً منتصرا وأحرز السبق في مضمار الحياة مؤيداً مؤتزرا، فإن الإصرار يحدو بصاحبه ويطربه بنغمات الاستقامة، ويحثه في غذو السير دون ملال وسآمة، ويناجيه بكلمات تشجعه في الطلب وتستجمع خاطره عند الخوف والتعب، فهو خير رفيق له إذا رحل، وخير مؤنس له إذا نزل، يهدئ باله إذا كدرصفوته مكدر، ويطمئن فؤاده إذا شوس هناءه مشوس، يقيمه على الهدى إن حاد عن السبيل، ويدله على سواء السبيل حين التبست الطرق على الدليل، يشاوره اذا احتاج إلى التبصر ويأوي إليه للحصول على التصبر، فهو زعيمه في السفر، وسميره في الحضر، وقد يكاد يكون لزاما ويعد فراقه غراما، وقد صار حليف أنس يتفرق به شمل الوداد والإخاء، وقرين سعادة تتمزق بدونه وشائج الحب والوفاء ويضطرب بغيره حبل الصدق والصفاء، يقربه نجيا ويظل سحابة نهاره وفياً، ويبيت سواد ليله مرضياً، ويرافقه جواداً سخياً، ويحمل إليه رطبا جنيا، وقديما قالت الحكماء: من لجّ بباب الدار ولج مدخله، ومن جد في الطلب وجد مأموله وأعطي سؤله.

ونحن نسوق لك قصة تحار منها العقول ولا تصدقها، وتستغربها الألباب وتكاد تكذبها، وإنها قصة لم ينشئها الخيال، ولا صلة لها بالكذب والاحتيال ولم يمازجها الخداع والخبال، وإنماهي صدق الكلام وأقرالناس بأنها ليست من أضغاث أحلام، نشرتها الصحف وتناقلتها الألسن، وتذاكروا في مجالسهم استغرابا لشأنها، واستبقاءا من أن تصل يد الشيطان فينسيها، إذ أنها تتضمن بصيرة وعبرا، وتملؤهم حكمة ودررا. ونحن نلخص لك القصة لكي يتضح مقالنا بالمثال، ونتجنب عن الإسهاب مخافة أن يغلبك الملال ويعتريك الكلال:

"في عام 1989م ضرب زلزال مدمر في أرمينيا، لقد أهلك الحرث والنسل وأودى بحياة أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص، فتحولت أرمينيا إلى خرائب متراكمة، وتلظى بناره فلاح كان يسكن مع زوجته واشتكى من أواره حيث تخلخل منزله وأرخى بنيانه إلا أنه لم ينهدم، وبعد أن أطمأن على زوجته تركها بالمنزل وانطلق راكضا نحو المدرسة الابتدائية التي كان ابنه يدرس فيها، وعندما وصل إلى المدرسة، وإذا به يشاهد مبناها وقد تحول إلى حطام، وصار إلى ركام وفي تلك اللحظة وقف مذهولا واجما، وتسمر في ذلك المكان، وبدأت الدموع تنهمرعلى وجنتيه ويكاد ينشق صدره ويزهق قلبه لهول مرآه وما أشقى من رآه!! لكن بعد أن تلقى الصدمة الأولى أخذ يمسح الدموع بيديه، ويستجمع قوة إرادته ويركز تفكيره ويحدق نظره نحو كومة الأنقاض ليحدد الموقع الدراسي لابنه، وإذا به يتذكر موقع الفصل، ولم تمر غير لحظات إلا وهويطير إليه ويجثو على ركبتيه، ويبدأ بالحفر وسط يأس وذهول، حاول الناس أن يجروه بعيدا قائلين:لقد فات الأوان، لقد ماتوا، فما كان منه إلا أنه بقي مستمرا في حفره وإزالة الأحجار المتراكمة حجرا بعد حجر، وقد منعته رجال المطافي عن الحفر، ولكنه بقي مجدا في طلبه ومستمرا في محاولته، وما كان يمنعه أحد إلا وهو يرده قائلاً: إما أن تساعدنى أو اتركني وشأني، وفعلا تركوه واستمرهو بحفر وإزاحة الأحجاربيديه النازفتين بدون كلل أوملل لمدة 37 ساعة وبعد أن أزاح حجرا كبيرا بانت له فجوة واسعة يستطيع أن يدخل منها، فدخلها وإذا به ابنه مع زملائه حيا سليما من الجروح ومعافاً من القروح فلمع البرق من قسمات وجهه وتلألأت أسارير جبينه فحمد الله وأثنى عليه.

تقول الصحف : مات من التلاميذ 14 وكان آخر من خرج منه ابن الفلاح، ولو أن إخراجهم تأخر عدة ساعات لماتوا جميعا، والذي ساعدهم على المكوث أن المبنى عندما انهار كان على شكل المثلث، نقل الوالد إلى المستشفى وخرج بعد عدة أسابيع، والوالد اليوم متقاعد عن العمل، يعيش مع زوجته وابنه المهندس.

القصة تحدثنا أن من سمة الناجحين الإصرار والعزيمة، فمن اتخذ الإصرار تخطى الصعاب، وتجاوز المحبطات والمثبطات، فعليك بالتمسك بالعزيمة والإصرارحتى تحقق لك الانتصار، وتتوج مجهودك بالتطبيق العملي في أرض الواقع لا في أرض الخيال. ولقد أحسن ابن قيم الجوزية حين قال: "لو أن رجلا وقف أمام جبل وعزم على إزالته لأزاله” وقد بين القرآن لمن وعى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى.

(محمد خالد الباندوي الندوي)