الناصح والمنصوح

بين الأمة الراقية والأمة المتخلفة
5 مارس, 2020

الناصح والمنصوح

النصيحة –أيها الأخ-من أهم الأعمال وأفضل العبادات التي يطالبها الإسلام من أتباعه،وأكد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا حتى جعلها من حقوق المسلم حينما قال: إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَرَسُولِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ قَالَ: وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ” فقد رفع صلى الله عليه وسلم قدرها وأعلى مكانها بأن جعل النصح من الدين، فكأنهما اسمان لحقيقة واحدة.

والناصح هو الإنسان الذي يعتنق بفكرة ما،ثم صار يدعو أصدقاءه ورفاقه لاعتناق هذه الفكرة أولاً، ثم قد يتوسع في ذلك ويدعو الإنسانية بأسرها إلى قبول هذه الفكرة.

إن عمل النصيحة-أيها الأخ- وجد بوجود الإنسانية في هذه البسيطة، ولا نبالغ إذ نقول أنه هو أحد ما يميز الإنسان من بين سائر المخلوقات، فقد جعله الله سبحانه مضطرًا إلى تأدية النصيحة وقبولها بحكم طبيعته البشرية في جميع أموره الدينية والدنيوية، سواء في ذلك كبيرًا كان أو صغيرًا، شيخًا كان أو شابًا، أميرًا كان أو مأمورًا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في كثير من الأمور ممتثلا بما أمره به سبحانه حيث قال: “وشاورهم في الأمر” وقال: ” وأمرهم شورى بينهم”.

وقد جرت عادة الإنسانية في قبول النصيحة ومشورة الأصحاب في جميع ما يعيش من الظروف والنوازل بدءًا من الأمور البيتية والأسرية والتجارية إلى الأمور الدينية، ولا يقطع رأيًا باتًّا حتى يكون له شاهد عليه ممن يثق به ويعتمد على قوله من الأقارب والأصحاب، وإنها ظاهرة محمودة أشاد بها القرآن والسنة الشريفة، وتغنّى بفضلها الشعراء قديمًا وحديثًا واعتبروها طريقًا بعيدًا عن الزيغ والزلل، ومحفوظًا من الخطأ وفضيحة التسرًّع، قال الشاعر العباسي بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن

بحزم نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة

فإن الخوافي قوة للقوادم

ومن الطبيعي –أيها الأخ-أن يستفيد الإنسان بتجارب أخيه وخبراته التي حصل عليها بممارسة حوادث الحياة ويقوم في ضوئها بتخطيط المستقبل أو قطع رأي وبتِّ أمر، ولابد أن يكون الناصح صادقًا في نصيحته ومخلصًا للمنصوح، وبصيرًا بالمجال الذي يدلي برأيه فيه.

وهناك ظاهرة غريبة رأيناها متفشية بين العامة وسواد الأمة أنهم تعودوا على تأدية النصيحة في جميع الشوؤن الدينية والدنيوية،سواء كان لهم علم بذلك أم لا،وإن المجال الديني أصبح أكثر عرضة لهجمات هولاء الناصحين الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه.

ويرى –أيها الأخ-خبراء هذا المجال وأنا معهم  كذلك أن الداعي إلى فكرة إصلاحية أو نظرية دينية بحتة أو تصور جديد للإصلاح والتجديد أو أسلوب خاص للدعوة والفكر الإسلامي يجب أن يكون للمنصوح القدوة الحسنة بقوله وعمله وسمته وهديه ومداخله ومخارجه، وإذا لم يكن كذلك فتكون دعوته قليلة الأثر محدوة الانتشار، فإن نجاح أي فكرة وانتشارها يتوقف على مدى تطبيق الدعاة لها قولا وعملا وسمتا ودلا،ويجب كذلك على المدعو أن يقوم باختبار الفكرة في ضوء الواقع والحياة، والتزام صاحبها بالفكرة من حيث صدقه وعدله وإخلاصه وتقواه إذا كان رأيه يتعلق بأمر من الأمور الدينية والعقدية أو السلوكيات الإسلامية الرفيعة.

(محمد خالد الباندوي الندوي)