كفران النعمة

فضل الإسلام على الإنسانية
27 مئی, 2021
بين ابن الملك والعجوز
26 جولائی, 2021

كفران النعمة

أخي العزيز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد درست – أيها الأخ – في القرآن الكريم قصة أصحاب الجنة وما فيها من عبر وعظات، وما تشتمل عليه من دروس وبصائر، إذ القصة تهدي بنا إلى الأصول المهمة التي من سلكها فاز في الدنيا والآخرة ومن حرمها فقد حرم السعادة كلها، وإنها لترشدنا إلى أن الحياة ظل زائل ليس له قرار، والسعيد في الواقع من تجنب عن وسوسة الشيطان وإغواء النفس البشرية، وتجرد عن حب المال وسفاسف الدنيا، والتزم بأوامر الله في السراء والضراء، وبالغ في تنفيذ حكم الله في ماله وأهله وترفع عن مطامع النفس ومكايد الشيطان وإليكم ملخص القصة التي تزيدك علما وخبرة وتضفي عليك حكما ودررا، وتعمر قلبك بالإيمان والإخلاص وعاطفة الاستمامة في سبيل مرضات الله، والتفاني في حبه، كما أنها تتحدث عن العاقبة الوخيمة لأصحاب البخل والمعرضين عن أمر الله، إنها قصة شيخ كانت له جنة دانية القطوف بهية المنظر فواحة الزهر، وكان وطيد الصلة بربه متسارع الخطى إلى الامتثال له في أمره ونهيه محسناً إلى الخلق رؤوفاً بهم مكثراً من الإنفاق عليهم قد أباح ماله وعقاره للفقراء والمساكين فيطعم الجائع ويكسو العاري ويبسط وجهه للعافي ويبذل من ماله على تعليم الجاهل ونشر العلم والمعرفة بين الناس ويذكر ما عليه في ماله من حق السائل والمحروم فاتخذه السائلون مثابة وأمناً.

وكان من عادة الشيخ – أيها الأخ – أنه يختلف إلى حديقته صباح كل نهار يقضي أوقاته فيها بين أشجارها وأثمارها ويرعى جنتها ويحفظها عن كل ما يسوءها ويضرها فإذا حان حصادها يرى الجنة قد آتت أكلها فيدعو البستاني وأعوانه لكي يعملوا المناجل ويخطفوا الثمار ثم يقصد إليه الفقراء والمساكين على ما عودهم من كل عام فيعطيهم نصيبهم وافراً: هذا يملأ كيسه وذاك يحمل في ثيابه، ولهم بعد ذلك ما أخطأه المنجل وما تركه الحاصد وما تناثر بين الأشجار رزقاً حلالاً طيباً.

وأما أبناء الشيخ فإنهم طبعوا على البخل وجبلوا على الخسيسة واللؤم واستحوذ عليهم الشح إلى حد أنهم يكرهون عادة أبيه تلك، وهم لا يطيقون صبراً حين يرون مالهم موزعاً بين الفقراء مستباحة حديقتهم للمساكين، وهم يحسبون أباه قد خولط في عقله واضطرب ذهنه، فهو لا يبالي بما لأبناءهم من الحقوق الواجبة عليه ويحسبون أنفسهم والعافين والسائلين سواء بل ربما كان الفقراء أحسن منهم حالاً وأكثر بالجنة استمتاعاً.

فلما تقدم بالشيخ السن ورأى شعره قد اشتهب وجسمي قد نحل والأسقام قد تسربت إليه والأمراض قد أخذت سبيلها إليه جمع أولاده ذات يوم وأدار عينيه في وجوه الجميع وقال: ليس لي هذا المال – يا بنى – الذي تريدون أن تسلطوا عليه أو أن تستأثروا به دون سواكم، إنما هو مال الله الذي خولني وإياكم وجعل للفقراء نصيبهم والعافين حقهم وللطيور والبهائم طعامها وما فضل بعد ذلك فهو لي ولكم، فإن المال بهذا يزكو وعلى هذا النحو من الإنفاق ينمو، فعليكم بسنتي من الإنفاق على الفقراء والمساكين.

ولكن الأبناء لم يتعظوا بنصيحة أبيه ورغبوا عن سنته، وخالفوا مذهبه في إرضاء الفقراء وعزموا على أكل نصيبهم فأرسل الله إلى جنتهم طائفا قلع نبتها وأسقط ثمرها وجفف أوراقها وأعوادها وأصبحت الجنة كأن لم تغن بالأمس, فهذا جزاء من كفر بأنعم الله عليه وهل يجازي الله إلا الكفور.

(محمد خالد الباندوي الندوي)