تنمية الثقة هي حاجتنا الأساسية

وسائل القوة و إمكانيات الانتصار
7 يناير, 2020
الطريق إلى النصر
16 فبراير, 2020

تنمية الثقة هي حاجتنا الأساسية

فقدنا في هذا الشهر لسنة 2019م ذلك القلم الذي كان يُعْرَف في الأوساط العلمية والأدبية والفكرية بجرأته وحكمته، وإدراكه للأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية وما تعيش فيه من الدول، وإحاطته بمعظم جوانب حياة المنتمين إلى هذه الأمة المحمدية التي أخرجت للناس لتأمر بالمعرف وتنهى عن المنكر، وتناوله للمشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية بشكل عام، ومعالجته للقضايا التي يواجهها كل من الفرد والعائلة والأسرة والمجتمع والدولة، فكان يقدم الحلول،ويشخص الأمراض، ويصف الأدوية ، ويضع البلسم على الجروح، ويوجه أقوى الكلمات إلى المجتمع المسلم، ويسهم في مناقشة المجتمع من خلال ما يكتبه من البحوث والمقالات المنشورة في هذه الصحيفة، والمقدمة في الندوات والمؤتمرات العلمية والأدبية والفكرية والدعوية، فرأينا بمناسبة هذا الشهر الذي اختاره الله فيه أن ننقل إليكم بعض مقتطفات مما كتبه ذلك القلم بمداد من القلب.

كتب وهو يبين تأثير الدين:

” إن الدين هو الرادع الأقوى لطغيان الطغاة، وتمرد الماردين، لأنه يحمل التعاليم السماوية، فينظم الحياة الفردية والاجتماعية، ويضع لها أصولاً وحدوداً، ويذكر الإنسان فرائضه و واجباته في حياته، ويحدث فيه الشعور بالمسئولية والإحساس بالنجاح والخسران ليس في هذه الحياة القصيرة وحدها، بل بعد الممات أيضاً يوم الدين، ويعلمه التمييز بين الخير والشر، ويوجد في الإنسان العواطف النبيلة للمؤاساة، والإيثار، والقناعة، والرضى بالكفاف، والعمل للثواب عند الله تعالى، ويحدث فيه نفسية للمحاسبة الذاتية التي تمنعه من ارتكاب الجريمة، وتدفعه إلى عمل الخير في السر والخفاء حيث لا يراه الناس”.

ويقول:

” إن المجتمع الذي يفقد فيه الدين تأثيره على النفوس هو مجتمع جامح وهائج لا يسير إلا إلى الفساد سواء كان هذا المجتمع مجتمع الإلحاد، وإنكار الدين وتعاليمه،أو كان هذا المجتمع منطلقاً عن تأثير الدين على الحياة، لا يبالي فيه أعضاء المجتمع بالتعاليم الدينية والأصول الخلقية، ولا تراعى فيه الحدود، وتشتبك في هذا المجتمع المسائل، وتتصاعد المشاكل، فإن بحث عن حلّ لمشكلة، كان هذا الحل مؤقتاً، وأحياناً أدى هذا الحل إلى مشكلة جديدة، مثل العقاقير السامة التي تعالج أمراضاً وتسبب أمراضاً جديدة”.

ويقول”

” إن الذين يدعون إلى الإسلام يدعون إلى المثل العليا، يدعون إلى طرق الخير، والسعادة الحقيقية، يدعون إلى كرامة الإنسان والمساواة، وتحرير الإنسان من العبوديات المادية المختلفة، ويرفعون صوتهم ضد الفساد والتدمير، وأما الذين يعادونهم فإنهم يدعون إلى الإباحية، والإخلال بالأمن، ويسببون شقاء الإنسان، ويحدثون قلاقل واضطرابات، ويعرضون سلامة الدول والمجتمعات البشرية للخطر، ويخترعون وسائل التدمير، ويتاجرون ويساومون على شرف الإنسان وكرامته، ويدعون إلى ثقافة إقليمية، مادية محدودة، ويكرهون الأمم الأخرى على الخنوع لهم، ولهم تاريخ طويل للاستعمار، وإذلال الأمم، وهم يسيطرون  على اقتصاد الأمم، ويمنعونها من التقدم والاعتماد على الذات، فمن هو أخطر للإنسانية؟”.

وكتب وهو يذكر واقع العالم المعاصر:

“إن واقع العالم المعاصر، واقع مؤلم للغاية، مهما ادعى أصحاب العقول التابعة للغرب بتقدم وحضارة، فإن التمييز العنصري شائع في أمريكا، وأوربا، وفي إفريقيا يمارسه البيض المتحضرون، بمساعدة الدول المتحضرة، وأن القضية الدينية شائعة في سائر البلدان الأوربية التي استعمرت البلدان الإسلامية، فشوهت وجهها، وطمست معالمها، وأن الحروب وسفك الدماء يجري بتأييد الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، فقد انغمست أمريكا في أسوأ مسرحية دامية في “فيتنام”، و”هيروشيما”، و”ناجاساكي”، و”لبنان”، وما فعلت روسيا في أفغانستان، وحاولت أن تستعبد شعباً كاملاً وما مارسته الحكومات التي تستظل بظلها من وسائل قمع وكبت ولا يزال العالم المعاصر على فوهة بركان لسياسات طائشة لبعض الحكام”.

ويبين أهمية التضامن الإسلامي فيقول:

“إن العالم الإسلامي يجب أن يكون وحدة بصلته بالإسلام، وأن يكون نموذجاً لنظام العدل والوحدة والتآخي، وحل المشاكل في ضوء تعاليم الإسلام، فيكون أسوة خير للدول الأخرى، لكنه لخضوعه للنظم الغربية واتباع قادته لتعليمات أو توجيهات صادرة من الخارج، أصبح مسرحاً للصراعات والنزاعات، وحدثت فجوة هائلة بين القيادات السياسية والشعوب المسلمة، إنه مسئولية الأسرة الإسلامية المنتشرة في العالم أن يهتم كل عضو منها بأعضاء الأسرة الآخرين، ويسعى لتخفيف معاناتهم”.

“إن الشعور بالمسئولية في القادة السياسيين والعلماء المصلحين والمفكرين والتعاون بينهم هو الحلقة المفقودة،وهو في الواقع الشعور بالانتماء إلى الإسلام، والبحث عن حل مشاكل البلاد في ضوء تعاليمه يؤدي إلى التضامن الإسلامي، وإذا وجد هذا الشعور بالتضامن على أساس الأخوة الإسلامية والانتماء إلى الإسلام والهمّ المشترك بين هذه العناصر التي تملك النفوذ على النفوس وعلى الوسائل،وتحقق التكافل والتضامن حلت سائر مشاكل الامة الإسلامية المنتشرة في العالم، وظهرت قوة عالمية جديدة، لا تحل مشاكلها وحدها؛ بل تحل مشاكل الأمم الأخرى أيضاً” .

“وإن العمل الإسلامي اليوم يحتاج إلى دراسة للواقع والظروف التي يعيش فيها، ومسح وإحصاء للحاجات والكفاءات دراسة شاملة، وتوزيع الثروة الفكرية  والخبرة العملية حسب الحاجة، وفي كل بلد يوجد مثل هذه القطاعات المهجورة التي تسترعى الانتباه ، وقد تركزت الجهود في المدن وحشدت في بعض الأصقاع،  فإذا قام العمل الإسلامي على أساس دراسة، ووجهت العناية إلى القطاعات المهجورة لإزالة التفاوت، ووجد التعاون بين الأوساط الرسمية والحركات الطوعية، لأثمرت هذه الجهود أكثر مما تثمر اليوم، وخير الغيث ما عمَّ، كما أن طاقاتها تركز على النظرية والدفاع ، وتناول الشبهات والتهم والدعاوي التي لا حاجة إلى إعادتها وردّها،وإضاعة الوقت فيها، بدلاً من أن تختار مجالات العمل الجديدة، وإثبات سداد الإسلام عملياً، وحل مشاكل الحياة الإسلامية والتنظيم لجميع قطاعاتها طوعياً” .

“إن العالم قد جرب قوى ظلمت، وحضارات أفسدت، وشاهد مصيرها، وهو الآن ينتظر ظهور قوة جديدة تعدل بين الناس، وتسعى إلى نشر الخير والسلام، بعد أن ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

لقد فقد الأمن والسلام في عهد دعاة السلام، وأصبحت الحياة عرضة للسلب والنهب والحرمان في مجتمع الرفاهية والسعادة، وهو الآن ينتظر من يحقق أماني الإنسانية وآمالها، وينتظر من يتحمل هذه المسئولية، ويمثل دور المنقذ للإنسانية وتفتح صفحة جديدة للتاريخ وعهد جديد”.

“فحاجتنا اليوم وهي أكبر  حاجة، هي تنمية الثقة بالرسالة والإيمان بوعد الله ونصرته بالحرية والاستقلال الذاتي، في كل مجال، وبناء كيان منفصل حرّ عن تدخل الأفكار الغربية، والاحتراز عن العقلية السائدة في المثقفين بالثقافة الغربية الذين يتولون السلطة والقيادة الفكرية، وإيجاد الثقة في النفوس أن العمل الديني هو غير العمل السياسي، وأنه مجرد عمل لإصلاح النفوس وحصول رضا الله ونشر الخير ومكافحة الشر بحكمة وموعظة حسنة، وبهذا المنهج تزول عن النفوس الوحشة والنفور من الحركات الإسلامية”.

جعفر مسعود الحسني الندوي