من راقب الناس ازداد خبرة ومعرفة

منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (2)
9 جنوری, 2022
منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (3)
21 فروری, 2022

من راقب الناس ازداد خبرة ومعرفة

الدكتور عبد القادر الشيخلي

هذا العنوان هو الوجه المعاكس لمقولة "من راقب الناس زاد همًا” وكلاهما بمثابة وجهي حكمة واحدة، فمن يراقب الناس يتساءل: لماذا يظلم بعض الأفراد؟ ولماذا يكذب أحدهم؟ ولماذا لا يستقيم هذا أو ذاك؟ ولماذا ينشر المزعج إزعاجه على الآخرين؟ ولماذا هذا المسن لا يصلي؟ ولماذا هذا بخيل أكثر مما يجب؟

هذه هي الهموم أو الغموم الوليدة من هذه المراقبة الشخصية، فالناس أجناس، وليسوا متشابهين كطوابع البريد، وأي إساءة تواجهك تغمك، وأي معروف تسديه للغير تتوقع معروفًا مثله أو أقل منه، أما إذا واجهت إساءة مقابل معروف قدمته للغير، فهذا يغم النفس بلاشك.

ويحسن مراقبة الناس للاستفادة من خبراتهم الناجحة، وبعض التجارب يمكن اقتباسها فيمارسها المرء تأسيسًا لخبرة جديدة لديه.

كما أن مراقبة الناس تزيد المراقب معرفة بأنماط الناس وميولهم، فيدرك الحسن والقبيح، والذي أخذ من هذا بقسط ومن ذاك بقسط آخر، وشريطة مراقبة الناس أن تكون شرعية وإلا عدت تجسسًا، فيلاحظ المرء الآخرين دون أن يدرك هؤلاء أنهم تحت أضواء المراقبة، ومن مزايا هذه المراقبة معرفة معدنهم الأصلي، فهذا موضع ثقة، وآخر لا ثقة لديه، وقد قال "وليم شكسبير” الكاتب المسرحي البريطاني: "إن الحياة مسرح ونحن ممثلون عليه”، وهذا كلام في غاية الدقة والصواب، فقليل من البشر من يمارس سلوكه مع الجميع دون تغيير، ويكون لون شخصية هذا الفرد اللون الواضح الذي لا لبس فيه ولا غموض، فيعرفه القاصي والداني دون حاجة للسؤال عليه.

والحقيقة أن مراقبة الناس متعة نفسية، لأنك ستكشف حقيقة الشخص مهما تلون أو ظهر في غير حقيقته، فتصادق هذا وتتجنب ذاك.

ومن خلال المراقبة تتيقن أن "س” من الناس جدير بالثقة ومن ثم صواب صداقته، بينما تلحظ أن "ص” من الناس إنسان مصلحي أو انتهازي أو غير جدير بعلاقة دائمة، وبمناسبة ورود كلمة "مصلحي” فيحتاج الأمر إلى بعض البيان، وهناك سوء فهم أو رداءة في تحليل لمن ندمغه بالمصلحية، فالبشر جميعًا مصلحيون، وتتفاوت هذه المصلحية بين فرد وآخر، وبعضهم تكون صارخة، وبعضهم تكون معتدلة، إلا أن هذه الصفة متوفرة للجميع، فكل إنسان يتصرف وفق احتياجاته ومنافعه الخاصة، وهذا أمر لا تثريب عليه، ولكن التثريب يكون حينما يصبح الفرد: آخذًا دون أن يعطي!! وبعض الزهاد قال لصاحبه: إني أفتش عن صديق منذ أربعين سنة فلم أعثر عليه، فأجابه الآخر إنك تفتش عن إنسان يعطيك ولم تفتش عن إنسان تعطيه، إن الحياة والعلاقات الاجتماعية السوية عبارة عن أخذ وعطاء، ومن يرغب أن يأخذ بصفة دائمة دون أن يعطي ستنكمش علاقاته الاجتماعية إلى الحد الأدنى.

والإنسان حينما يكون في منصب وظيفي معين يزداد أصدقاؤه ومعارفه بشكل كبير، لكنه حينما يفقد المنصب يتبخر المحيطون به والمداحون وذوو الزلفى، فتصبح الصورة الاجتماعية أمامه حقيقية وواقعية، فالناس تتجاور مع أصحاب المناصب، أو أصحاب المال، أو المشهورين، بينما لا علاقة لها بالمغمورين أو النكرات!

إن التوازن في العلاقات الاجتماعية ضروري، وأسرار المرء ينبغي دفنها في قلبه، فإن أصدقاء اليوم قد يصبح بعضهم أعداء الغد، وقد يستخدمون أسرارك للتشهير بك وإلحاق الأذى المعنوي بك.

وينبغي أن تكون معايير المرء لانتقاء الأصحاب والأصدقاء موضوعية وواقعية، فلا ينشد الكمال لدى الآخرين، لأن الكمال لله وحده لا شريك له، وإنما ينشد إنسانًا يتبادل معه الاحترامات والخدمات الشرعية المشتركة.

والحياة الاجتماعية مشحونة بأنماط الشخصيات، وفقط بالمراقبة الدقيقة يمكن التحقق من أهلية هذا للصداقة، وافتقار غيره لهذه الأهلية، وحينما تنشأ العلاقة يجب أن تكون متوازنة المنافع والمشاعر والقدرات، فلا يطلب المرء من صديقه الخلو من المعايب أو النواقص، وإنما يكتفي بإنسان معتدل وبسيط ويحرص على احترام الغير.

في ضوء هذا الإدراك تتحقق لدينا خبرة ومعرفة بالآخرين من خلال مراقبتهم فتكون علاقتنا معهم من خلال التحقق من حقيقة أفعالهم وأقوالهم، إن أخطاء الغير خبرة ثمينة لنا، ومعرفة حقيقة شخصياتهم تغنينا عن الدخول معهم في علاقات قد تكون فاشلة، والأفراد أذكى من بعض، فنحرص على معرفة حقيقة ذكاء هذا أو خبرة ذاك، وكل ذلك يصيب في ميزان شخصيتنا الفردية التي نمارس من خلالها علاقاتنا الاجتماعية الناجحة.

إن نشدان الجمال والكمال في العلاقات الاجتماعية فكرة لا تخلو من سذاجة في النظر، لأن هذه الحياة مزيجة من الخير والشر، ومن النور والظلام، ومن السعادة والتعاسة، لذلك يحسن بالمرء أن يكون واقعيًا، فلا ينشد المجتمع المثالي، أو العلاقات الوردية بين الأفراد، فمفهوم السعادة يتخلف من فرد إلى آخر، وما تطلبه من الغير قد لا يكون مستعدًا لتقديمه، فينبغي التصرف مع الأفراد وفق قدراتهم واجتناب الطلب منهم بتغيير شخصياتهم أو تقديم ما لا يقدرون عليه، ومعظم الناس يخشى من التدخل بشؤونه حتى لو كانت نصيحة لصالحه، فالنصيحة تقدم لطالبها، وإن رفضها البعض فمن حقه ذلك.