كيف ينظر العالم إلى جزيرة العرب وماذا يؤمل منها؟

الفراغ الأكبر والعبقري المطلوب
23 دسمبر, 2021
منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (2)
9 جنوری, 2022

كيف ينظر العالم إلى جزيرة العرب وماذا يؤمل منها؟

الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي

فرصة سعيدة يا جزيرة العرب! لي معك اليوم حديث خطير قد خبأته لك من زمان وصرفتني عنه خطوب ونوائب شغلت خاطري، إلا أن هذا الحديث قد ملك اليوم قلبي وثقل على نفسي فلم أر اليوم بدًا من أن أفضى به إليك، وأتنفس مما أجده من الضيق والألم.

زهدني في هذا الحديث ما كنت أراه من انسحابك من الحياة وتنزلك عن القيادة التي تبوأتها زمنًا غير يسير، وما كنت أراه من رغبتك في العزلة عن العالم وما يقع فيه من حوادث، وما يتجدد فيه من شؤون، وكرهت أن أزعجك وأقلق بالك، وقلت: لقد رقدت الجزيرة بعد سهر طويل سهرته في مصلحتي، واستراحت بعد عناء كبير تحملته في سبيلي، فلا ينبغي لي أن أوقظها وأقض مضجعها، ولكن الخطب كان أجل من ذلك وأعظم، ولم أر مفزعًا بعد الله إلا إليك وقلت: لقد وجدت في هذه الجزيرة غوثًا ونجدة قبل ثلاثة عشر قرنًا، وقد أحيط بي يومئذ، فعسى أن أجد فيها فرجًا وروحًا مرة ثانية.

أراك أيتها الجزيرة العزيزة! تنظرين إلى نفسي نظرة الحياء، وتلقين على نفسك نظرة الازدراء، تنظرين إلى تقدمي في الصناعة والاختراع، وإلى تسخير الإنسان للبخار والكهرباء، وتسخير الطاقة الذرية في الزمن الأخير، وتقولين في شيء من الخجل والاعتراف، وفي شيء من الجراءة والشجاعة: لقد تقدم العالم بعد ما خرج من حضانتي تقدمًا مطردًا، وقطع أشواطًا بعيدة في العلم والمدنية، هوني عليك أيتها الجزيرة! فإن هذا الإنسان الطائر في الهواء، العابث بأمواج الأثير لا يزال طفلاً صغيرًا في أخلاقه وفي شعوره الاجتماعي وفي عناده وقصور نظره وأثرته، وإيثاره الصور والأشكال على الحقائق والمعاني، وافتتانه بالمهازل والملاهي، فلو علمت أيتها الجزيرة! ما وراء الأكمة لهان عليك الخطب وعلمت أن الإنسانية لا تزال حيث خلفتها، وأن الإنسان وإن أصبح يطير في الهواء كالطير، ويسبح في البحار كالسمك، فإنه لا يحسن أن يمشي على الأرض كإنسان.

أراك أيتها الجزيرة! تنظرين بدهشة واستغراب إلى معاهدي العامرة وإلى مكتباتي الزاخرة، ومطابعي المتدفقة، وحركة التأليف والنشر القوية، وإلى هذا الأدب الخصيب الذي يطلع كل يوم بشيء جديد ولكن لا تعجلي، إن روح هذه الحركة التجارة والاستغلال، وإن كثيرًا من حملة الأقلام يتأجرون بأخلاق الناس وضمائرهم ويحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع وتروج بضاعة الخلاعة والاستهتار، ولا تستغربي إذا حدثتك أن كبار المثقفين والأدباء عندي لا يفضلون في الأخلاق والصبر على مكاره الحياة والعزوف عن الشهوات وإنكار الذات، على الأعراب الذين يضرب بهم المثل في الجفاء والجهل والأمية.

أراك أيتها الجزيرة! تصغين إلى الكلمات الرنانة التي تلوكها ألسنة السياسيين، وترددها أقلام الصحفيين، كالعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية والجمهورية، كأنك تسمعين كلمات لها معنى وتطبيق في الحياة كما حدث العالم من قبل بكلمات صادقة يوم كان اللفظ دليلاً على معنى، ويوم كان الإنسان يرى نفسه مأخوذًا بقوله.. هيهات لقد تقدم الزمان وأصبح كثير من الكلمات لا يقصد بها معنى ولا تراد بها حقيقة، رحم الله من اعتمد على الكلمات، ورحم الله من صدق أهلها فيما يقولون.

أراك أيتها الجزيرة! تنظرين إلى فتغبطينني على ما تعتقدين عندي من صفاء وسرور وراحة، ونعيم وهدوء وسلام، لقد استسمنت يا هذه ذا ورم، أنا جسم قد علتني أورام غير طبيعية فظنني الجاهل صحيحًا سليمًا، مع أني مريض دنف أشكو في كل عضو من أعضائي أوجاعًا وأوصابًا، أشكو في قلبي وجعًا، وفي رأسي صداعًا، وفي عيني رمدًا، وفي دمي نزفًا، وفي نفسي اختلالاً، تارة أصاب بطوى وجوع تكاد تزهق له نفسي، وأخرى ببطنة وتخمة تكاد تقضي على وتقتلني، وقد اجتمع حولي متطببون ومشعوذون يعالجونني بالأمراض ويداوون الداء بالداء، وبعمليات جراحية خرقاء، لقد قتلوني قاتلهم، عالجوا مشاكل الاقتصاد بحركة منع الولادة، وسوء التصرف في المال بتحريم الملك الشخصي، واستبداد الأحزاب واحتكار الأفراد باحتكار الشركات… والرأسمالية الجائرة بالاشتراكية المرهقة، والاشتراكية العمياء بالجمهورية العوراء، لقد داووا جورًا بجور وظلمًا بظلم، وإسرافًا بإسراف، وجهلاً بجهل، وعلة بعلة، فزادوني مرضًا على مرض وضعفًا على ضعف.

إليك جئت أيتها الجزيرة العربية! بما معي من أدواء وأوجاع وقد فضحت أمامك نفسي وكشفت سري فهل تغيثينني وتسعفيني كما أغثتني بالأمس وأنقذتني من الموت الأحمر، فلست اليوم بأقل حاجة إلى إسعافك وإنجادك، من يوم بعث رسولك وأشرق على نورك!!

لا تغرنك أيتها الجزيرة مني مظاهر المدنية الجوفاء، وهذه الطائرات المحلقة في الهواء، وهذه الناطحات للسماء، وهذه الآلات التي ملأ صوتها الفضاء، فيسهل على أن أتخلى من كل كنوزي وأتنازل عن كل ما تنظرين إليه نظر الغبطة والطمع واستبدل بها ما قد فقدته من الإيمان الذي جاء به الأنبياء والرسل، والذي فقدت معه قوتي وحرارتي وشخصيتي وروحي، وأصبحت جسدًا ميتًا قد يطفو على الماء وقد يحمله الهواء.

نفسي فداؤك يا جزيرة العرب! خذ مني ما شئت من سيارات وقطر وطائرات، وماكينات وآلات، وزخارف وأدوات، وتصدقي على بهذا الإيمان الذي لا أجده في أسواقي ولا تنتجه مصانعي، على كثرة ما تنتج وعلى غرابة ما يخرج منها، ولم أكتسبه من مكتبتي الواسعة، ولا يفيدني إياه فلاسفتي ومفكري وكتابي وزعمائي، إنما أفاده العالم "أمي” لا يزال في أحضانك، فعاش هذا العالم بعد ما كان ميتًا وأبصر بعد ما كان أعمى، وتماسك بعد ما كان متزعزعًا ولم يصب أحدًا شيء من هذا الإيمان إلا عن طريق هذا النبي الأمي، ولن يصيب أحدًا إلى آخر الأبد إلا عن طريقه، لذلك جئت سائلاً، فلا تنهريني ولا ترديني خائبًا!

أنا أيتها الجزيرة! حائر تائه، قد تكدست عندي آلات وأدوات ووسائل، ما عرفت كيف أصنع بها وكيف أستعملها، فإني إلى الآن لم أعرف ما غاية هذه الحياة وما نهايتها، ومن خالق هذا الكون، ولأي شيء خلقه وما مركز هذا العالم وما روح هذه الحياة؟! وما هذه الآلات والمصنوعات بل ما هذه القوى المودعة في هذا الكون وهذه الخيرات المنبثة على الأرض إلا كسرًا من كسور هذا العالم الكبير، فمن كان حائرًا تائهًا في هذا المجموع الكبير كان خليقًا بأن يكون حائرًا تائهًا في كسوره، خابطًا في استعمالها قد يستعملها في خير، وقد يستعملها في شر، وطالما يستعملها بلا غاية، والغايات لا طريق إلى معرفتها إلا الأنبياء والمرسلون، أما المكتشفون والصناع فإنما موضوعهم الآلات والصناعات، ولما تفردت بالوحي تفردت بالغايات ولما عنيت بالصناعة والاكتشاف تفردت بالآلات والمصنوعات، وبانفصالنا شقيت الإنسانية فهلم يا مهد الإيمان ومهبط الوحي، نتعاون على سعادة الإنسانية وصالحها، فأنجدي العلم والصناعة بالغايات والروح والإيمان، وأنجدي الدين بالآلات والوسائل، حتى تسير الإنسانية رشيدة الغاية سديدة الخطي، على جناح السرعة والقوة، فبك تستفيد صلاح الغاية وصحتها، وبي تستفيد سرعة الوصول إلى هذه الغاية الرشيدة.

جودي علي أيتها الجزيرة! بنفحة من نفحات محمد صلى الله عليه وسلم أحل بها مشاكل حياتي وألغاز مجتمعي، وأحيي بها موات قلبي وأطفى بها جحيم المادة التي أحاطت نيرانها بهذه المدنية وبكل فضيلة إنسانية، وقد هبت نفحة منك في القرن الإسلامي الأول فحولت هذا العالم الفسيح من جحيم إلى نعيم، وقد استدار الزمان كهيئته يوم بعث الله نبيه، فعودي على هذا العصر بنفحة جديدة تنفخ فيه روحًا جديدة وتبعث هذا العالم بعثًا جديدًا!

إنك تجودين علي أيتها الجزيرة العربية! بمقدار عظيم من البترول أدير به ماكيناتي وأسير به عجلاتي، فأنا أدين لك بالفضل وأشكر صنيعك، ولكني كنت أنتظر منك – أيتها الجزيرة السعيدة، يا مولد نبي الرحمة – شيئًا أعز وأثمن من الذهب الأسود، كنت أنتظر منك أن تخرجي لي عجلة الحياة التي غاصت في الوحل، وأن توجهيها التوجيه الصحيح وأن تخلصي ركابها من هذا المأزق، فقد عجزت حكمة الحكماء وصناعة الصناع من إخراجها، فأخرجيها بما معك من حكمة النبوة وبقية قوة الرسالة والإيمان واليقين، وسيريها بنور الشريعة الإلهية والهداية الإسلامية.

وفي الأخير أقول: إنك ياجزيرة العرب قطعة مني يصيبك خيري وشري، ويصيبك لفحي ونفحي، ما يمكنك أن تعيشي منعزلة عني، فإن أدركتني وأصلحت شؤوني، فإلى نفسك أحسنت أولاً، فعليك وعلى أهلك جنيت!