منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (3)

من راقب الناس ازداد خبرة ومعرفة
9 جنوری, 2022
الحدود على الجرائم الخُلُقية
21 فروری, 2022

منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (3)

الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي

التعريب: محمد خالد الباندوي الندوي

كان الشيخ الندوي يرى إصلاح الأمة وتقوية معنوياتها وتعزيز كيانها الداخلي من أولويات الدعوة التى لا بد من التمسك بها، ثم دعوة الأمراء والسلاطين وأصحاب السلطة إلى الدين الإسلامي الحنيف، لذا آثر الإبتعاد عن أسلوب المواجهة والصدام، واتخذ لنشر دعوته وفكره طريق الحكمة المبني على الوسطية البعيد عن التشاجر والانفصام، فقد كان يعتقد أن تركيز العناية بإصلاح فئة من الناس يرجى وصولهم إلى منصب القيادة أو يكون لهم نفوذ كبير في المجتمع الإنساني تأتى بنتائج حسنة في تغيير الأحوال وإصلاح الظروف، لأن الدعوة الإسلامية اذا وجدت فيهم آذانا صاغية وقلوبا متحمسة تتمهد السبل لإقامة الدين الإسلامي وإعلاء كلمته، وتزول جميع ما يعرقل في سير الدعوة، وكان يخشى على ضياع المواهب الدعوية واساءة استخدام الثروة المعنوية للأمة في منهج الصدام وأسلوب المواجهة، واتخذ لذلك الشيخ الندوي عدة خطوات عملية هامة، ويمكن لنا أن نقسمها في عدة جهات: كان يرى من أولويات الدعوة أن تبذل الجهود لإصلاح الطبقة المثقفة (intellectual class) وتقريبها إلى الفكر الصحيح للاسلام، فدرس بكل جدية عقليتها ومزاجها واطلع على نفسيتها عن كثب، وخاطبها بأسلوب سائغ يألفها، ويلائم طبيعتها ويوافق مزاجها ويناسب ذوقها ووجدانها، فكان لكلامه وكتاباته الأثر الكبير في تغيير أفكارهم إلى الأحسن والأفضل، ومن كتبه الشهيرة التى أثرت على الطبقة المثقفة ثقافة عصرية وتلقت لديها قبولا واسعا "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” وان لهذا الكتاب صدى واسعًا في أوساط الشباب المثقف وتوعيتهم بزاد الفكر الاسلامي الصحيح، وتوجيههم فكرًا وسلوكًا، وظهرت آثارہ الطيبة البعيدة الأثر في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

واتصل الشيخ الندوي لإيقاظ الطبقة المثقفة وإنعاشها ونفخ روح الإسلام في قلوبها بأساتذة الجامعات العصرية والمسؤولين عنها وطلبتها في الهند وفي جامعات العالم الإسلامي، وذكرهم بما عليهم من واجب نحو تربية الجيل الإسلامي الجديد، وركز العناية على إصلاح النظام التعليمي السائد في الجامعات وكشف القناع عن مفاسده وآثارہ الفاسدة، وأكد على نفاذ النظام التعليمي والمنهج الدراسي في جامعات العالم الإسلامي.

وقد سنحت له فرصة طيبة – بفضل الله وكرمه – للتحدث والحوار مع القادة والزعماء ووزراء شؤون التعليم والتربية فقد ألقى بهذه المناسبة كلمة حماسية متدفقة بالحب والحنان والحنين إلى شباب الأمة وتربيتهم تربية دينية، وليتك رأيته وهو يتحدث عن إصلاح المنهج الدراسي كأن كلماته تخرج من القلب فتصل الى القلب، وقد قام بكتابة الرسائل إلى القائمين على الجامعات والمدارس الإسلامية يذكرهم بما عليهم من الواجبات نحو الطلبة والدارسين، وينصحهم بالخير، ويعظهم بالحكمة والأسلوب الهادئ، فكل كتاباته تدل أنه بذل ما وسعه من جهد لإصلاح النظام الدراسي في الجامعات العصرية والمدارس الإسلامية وأنه يرى فيه تقدم البلاد ورقيها وازدهارها إذا قامت بالتعديل الصحيح في نظام التعليم السائد.

وإن المجال الثاني الذي أولاه الشيخ الندوي اهتمامه الخاص هو اتصاله بأرباب القيادة وزعماء البلاد ومحاولة تثقيف أفكارهم وتوعية عقولهم بالفكر الإسلامي الصحيح، وذلك عن طريق كتابة الرسائل والحوار، والمحاضرات والكتب،و الاتصالات الشخصية وإلقاء الخطب والدروس، وآتت جهوده – بحمد الله وفضله- نتائج إيجابية حسنة في مختلف أقطار العالم الإسلامي، وسنتحدث عنها في الصفحات القادمة إن شاء الله.

وأما المجال الثالث الذى صب فيه الشيخ الندوي جهده وعصارة فكره هو مجال الأدب، فقد استخدم قواه الأدبية ومواهبه البيانية للإصلاح والتجديد والبعث الإسلامي الجديد، وكان ذلك في العصر الذي كان الأدب تحت سيطرة الأدباء المتحررين ويغلب عليه طابع أفكارهم الفاسدة الملحدة، وكانت كتاباتهم تفسد عقول الشباب المسلم وتوجهه إلى الفساد والإنانية والآثرة والشح، ونتيجة لذلك تولد النفور عن التعاليم الإسلامية والمفاهيم الدينية، فقد قام لمواجهة هذه الموجة العارمة للأدب المتحرر عن القيود ودرس أبعادها وقام بثورة أدبية إسلامية وبين بصراحة: أن الأدب أذا بقي تحت سيطرة الأدباء الملحدين المتحررين ولا يقام أمامهم سد منيع فلم يبق لنا سبيل من إنقاذ الشباب في وقوعهم في مهوى سحيق، وقد درس الشيخ الندوي الأدب العربي وسبر أغواره وأنجاده واطلع على خفايا تاريخ الثقافة العربية فنهض بنفسه لسد هذا الفراغ ومواجهة موجة الأدب وفكرته الفاسدة ونجح في توجيه الأدب إلى وجهة رشيدة صالحة بناءة، ودعا إلى توسيع رقعة الأدب كما دعا إلى عرض وتقديم النماذج الأدبية من أمهات المصادر الإسلامية، وبفضل دعوته الحثيثة ظهرت في سماء الأدب شخصيات أدبية يتسم أدبهم وأسلوبهم بالفكرة الإسلامية وتحرر الأدب إلى حد كبير من سيطرة الأدباء المتحررين المتنورين، واطلع الشباب بأدب صالح بناء غير الأدب الذي تألفه قلوبهم وتهوى إليه نفوسهم وتستسيغه عقولهم،ولعبت جهوده دورا ملموسا في إصلاح القلوب المريضة وإرشاد النفوس التائهة.

إن لكل أمة تاريخها، تاريخ التقدم والازدهار وتاريخ التخلف والانهيار، وإن مستقبل الأمة مربوطة بتاريخها الماضي، لذا لا يمكن لأي أمة راقية متقدمة أن تصرف أنظارها عن تاريخها، لأنه يخبأ لها خير ما يرشدها في المستقبل وينقذها من إعادة الخطأ الذي ارتكبه في الماضي، ويسيرها إلى التقدم والرقي على بصيرة وهدى، ويمهد لها كل طريق شاق، ويحل لها كل معضلة غامضة مستعصية، وكان مما امتاز به الشيخ الندوي من بين قادة الفكر الإسلامي أنه درس التاريخ بإمعان، وغربل حقائقه وسبر وهاده وانجاده واستخرج للأمة كنوزا غالية وجواهر ثمينة، وقدم لها ما يفيد الأمة وخاصة الشباب المثقف.

ومن أعماله العظيمة ومآثره الكريمة على مستوى البلاد أنه بذل جهودا جبارة لاقامة جو التعايش السلمي الآمن بين المسلمين والهنود، وأسس لذلك حركة ” رسالة الإنسانية” التى تهدف إلى إقامة مجتمع يعيش فيه أفرادها بحب ووداد على اختلاف مذاهبها وأجناسها وألوانها، وأثبت الشيخ الندوي عن طريق حركة رسالة الإنسانية جدارة المسلمين في تقدم البلاد، لأن كل أمة تحتاج إلى أن تثبت جدارتها واستحقاتها ونفعيتها في العالم، فتحققت تلك الحاجة – بحمد الله – ومهدت السبيل لحركات إصلاحية دعوية فكرية.