البيروني وإسهامه في العلوم (1)

الاستكبار
21 ديسمبر, 2019
الإسلام دين العفو والساحة
21 ديسمبر, 2019

البيروني وإسهامه في العلوم (1)

نجد الغرب (بما فيها أوروبا وأمريكا الشمالية) قد تقدم اليوم في العلوم والتكنولوجيا تقدما ملحوظا. ويبدو للمسلمين وغير المسلمين في الشرق أن الغربيين كانوا في كل زمان قد فاقوا الحضارات الأخرى، ولكنه ليس حقاً بل الأمر مختلف تماماً، فإن كل ما أنجزته الحضارة الغربية كان بتأثير من الحضارة العربية الإسلامية التي سبقتها بل مهدت لها الطريق لإنجازاتها، وإن للعلماء العرب المسلمين فضلاً كبيراً على تقدم الحضارة الإنسانية، لأنهم في الحقيقة كانوا لبنة أساسية من لبنات الحضارة الإنسانية العالمية، فإن العقلاء ومن لهم إلمام بالموضوع يعرفون أن المسلمين نقلوا العلوم من ثقافة الهند وفارس في الشرق وثقافة اليونان في الغرب، وهضموها وأضافوا إليها إبداعاتهم التي لم يزل تأثيرها باقياً في العالم حتى هذا اليوم، ولو لم يصل ما بقى من مؤلفات اليونان على يد العرب المسلمين إلى أوروبا لتأخرت النهضة الأوروبية، ولولا ظهور العلماء المسلمين أمثال ابن الهيثم وجابر ابن حيان والبيروني ولولا إسهاماتهم العلمية لتأخر ظهور جاليليو ونيوتن وغيرهما ولتأخر الركب الحضاري الأوروبي.

فمن أولئك الكثيرين من العظماء المسلمين الذين سجلوا بصماتهم في سجل الاختراعات العلمية، وتركوا أثراً واضحاً في العلوم، بل ومن أشهرهم العلامة الكبير أبو الربحان البيروني (973-1048م)، والذي أطلق عليه لقب بطليموس العرب. ولا يمكن ذكر المساهمين في العلوم في العهود الوسطى بدون ذكر البيروني.

كان البيروني رحالا وفلكيا وجغرافيا وجيولوجيا، وبرع أيضًا في الفلسفة والرياضيات والصيدلة، وكان مؤرخا وناقلا لثقافات الهند والسند أيضًا، ووصفه بعض المستشرقين بأنه من بين أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية والبشرية بأجمعها. وقد حاول هذا العالم فيما قام به من جهود علمية أن يربط دائما بين العلم والدين، وأن يفسر الظواهر الفلكية في ضوء القرآن الكريم، وقد كان من أشد المتحمسين لإسلامه وعروبته. وكان حبه للعلم والثقافة شديدا ويدل على ذلك قوله فرب وفاته إذ قال: “أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها.”(1)

ولد أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في اليوم الخامس من شهر سبتمبر عام 973م (362 للهجرة) في “بيرون”(2) كاث يعني في ضاحية من ضواحي “كاث” عاصمة المملكة الخوارزمية التي تسمى الآن خيوه في أوزبكستان، وتوفي عام 1048م. ولا نعرف الكثير عن أيامه الأولى في مسقط رأسه وعن نشأته ودراسته.  لم يبق البيروني في موطنه طويلا حيث أنه رحل إلى جرجان وهو في الخامس والعشرين من عمره، والتحق حينها ببلاط السلطان أبو الحسن قابوس، ويقول الأستاذ أبو الفتوح محمد التوانسي عن علاقة البيروني بالسلطان قابوس : “وكان للبيروني سمعة علمية طيبة، ملأت الآفاق في جميع الديار الإسلامية، وذلك مما جعل شمس المعالي قابوس بن وشمكير… يستأثر بصحبته، على أن تكون له الكلمة النافذة في ملكه الواسع … وكان يستشيره في كل ما يعرض له من أمور هامة، وفيما يسنح له من أمر السماء والنجوم، فقد كان قابوس محبا لعلوم الفلك، وكان البيروني أكبر عالم في عصره في الهيئة والنجوم.”(3) وهناك بدأ أولى أعماله وكتاباته الأثرية، ومن أولى كتبه التي كتبها كانت ” الآثار الباقية عن القرون الخالية “.

وفي جرجان عاصمة الدولة الخوارزمية لقي البيروني التقدير من أمير البلاد أبو العباس مأمون فأتيحت له الفرصة لأن يجتمع بكبار العلماء مثل ابن سينا. وحين عاد إلى موطنه التحق بحاشية الأمير أبي العباس مأمون بن مأمون خوارزمشاه الذي عهد إليه ببعض المهام السياسية نظرا لطلاقة لسانه وبعد أن قتل ابو العباس مأمون سنة 1016م احتل محمود الغزنوي الدولة الخوارزمية، وبضمنها خيوة، بحجة الانتقام من القتلة وجعل “غزنة” عاصمة لمملكته. وكان البيروني من جملة الأسرى(4) واتهمه السلطان الجديد بالكفر والزندقة وسجنه ولقي في سجنه بغزنة عنتاً شديداً، وفي مرحلة لاحقة عفا محمود الغزنوي عن أبي الريحان البيروني. وقام بإلحاقه في طائفة العلماء، وهناك قام بنشر العديد من المؤلفات التي كتبها والتي منها ” تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة “.

وقد رافق البيروني السلطان محمود الغزنوي في معظم حملاته على الهند التي استمرت منذ عام 1000م الى عام 1024م، وشهد معه ثلاث عشرة غزوة وطالت إقامته في غزنة مع السلطان محمود وحلفائه. وقد خلفه ابنه مسعود (1030م/1040م) فقرب البيروني منه للاستفادة منه. وكانت إقامته في غزنة من العوامل التي ساعدت على القيام بعدة رحلات علمية الى الهند. وقد تمخضت تلك الرحلات عن تأليف كتاب عن (الهند) الذي ضم قسمه الأول 80 فصلاً تناولت الفصول (من 18–31) مواضيع في الجغرافة الوصفية والرياضية والاخبارية. وترك في كتابه وصفاً غزيراً عن الهند مستنداً على دراسته للمصادر الهندية، إذ تعلم اللغة السنسكريتية، وعلى أحاثه الميدانية.

وفي غزنة كتب مؤلفه عن الجغرافية الرياضية والمعروف بإسم “القانون المسعودي” الذي عرض فيه المواقع الفلكية لكل بلدان العالم المعروف. كما أنه ألف الكثير من الكتب، ولم تقف حياته على حدود الكتب والتأليف، بل حاول أن يتعرف أكثر على عالم الرياضيات والعلوم، والفيزياء، وكان مهتماً جداً بفرع الصيدلة، فقد أحب هذا التخصص كثيراً وحاول أن يتوسع فيه، وكتب الكثير من الكتب التي تتحدث عن علم الصيدلة، إضافة إلى ذلك درس الفلك، وحاول جاهداً أن يثبت ظاهرة أن الأرض تدور في محور ثابت حول نفسها، ونجح في تحقيق ما يريده، كان الرحالة أبو الريحان البيروني مثقفاً في الكثير من المجالات، كما أنه أتقن العديد من اللغات، وكان يحب القراءة، كما أنه حاول دوماً أن يستفيد من الأمور التي توصل إليها من سبقوه من أجل الوصول إلى مبتغاه، واستمر طوال حياته يسجل جميع ما كان يكتشفه من أمور، وما يتوصل إليها من حقائق، كما أنه كتب في جميع المجالات التي كان يعمل فيها، ويدرس فيها .

ومن الجدير بالذكر أن (المركز الوطني للملاحة الجوية وإدارة الفضاء) ناسا أطلق اسم العالم المسلم أبو ريحان البيروني على فوهة من فوهات سطح القمر 1390 للهجرة الموافق عام 1970 للميلاد تكريما لإسهاماته القيمة في علم الفلك إضافة إلى أن هناك فوهات بركانية أخرى على سطح القمر سيت باسم الخوارزمي وأرسطو، وابن سينا.

لقد اتخذ البيروني البحث والتجربة وسيلة إلى تحصيل المعارف، فلم يكن من أولئك الذين يؤمنون بقاعدة اعتناق الآراء المسلم بها في تمحيص ولا تحقيق، بل كان دوما يصر على وجوب المباشرة بمراقبة الأمور، فكان يمتحن الأشياء بنفسه ويبحث عنها ويخضعها لألوان من التجربة. فعلى سبيل المثال إنه لم يقبل قول الناس في عدد أرجل الدويبة المعروفة “أم الأربع والأربعين” بل إنه تكلف مؤونة التيقن من عدد أرجلها إذ قال: “عددت أرجل واحدة منها فكانت مائتين وأربعين رجلا”(5). فهذا المنهج في البحث وضعه بنفسه، وكان يهتم باتخاذ الوسائل الضرورية للبحث والكشف عن الحقائق.

د. محمد أيوب تاج الدين الندوي

مدير المركز الثقافي العربي الهندي

وأستاذ قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي