أخوة ضائعة… متى تعود وكونوا عباد الله إخوانا

شعائر الله تعالى وتعظيمها (9)
29 سبتمبر, 2021
شعائر الله تعالى وتعظيمها (10/الأخيرة)
5 أكتوبر, 2021

أخوة ضائعة… متى تعود وكونوا عباد الله إخوانا

أ. د. نادي عبد الله، أستاذ بجامعة الأزهر

أخوة لها معانيها، ولها حقوقها، ولها ثمرتها، فهي شجرة وارفة يستظل الجميع تحت ظلها، إنها أخوة الإيمان، أخوة الدين، التي تربط بين المسلم وأخيه المسلم، أخوة هي أعظم من أخوة النسب، ورابطة هي أقوى من رابطة الدم؛ ولذلك حض الشرع على كل ما يزيد منها ويقويها؛ لأن بها قوة الدين، وتعاون المسلمين، ونهى عن كل ما يضعفها؛ لأن في إضعافها فساد الدين، وشتات المسلمين، نبهنا الله إلى ذلك فقال:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا” [آل عمران:102-103].

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذلُه، ولا يكذبُه، ولا يحقره، التقوى ههنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه”(1).

إنها أخوة راسخة باقية، قال تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ” [الحجرات:10]، حين تقوم الأمة بواجباتها تشعر بكل معاني العزة والفخر، والكرامة والنصر؛ وذلك لأن المسلم يعيش مع إخوانه المسلمين، لا يحسدونه، ولا يظلمونه، ولا يخذلونه: أي لا يتركون نصرته حين يحتاج إليهم.

وفي هذا الحديث الشريف الذي هو من جوامع الكلم يرشدنا رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى واجبات هذه الأخوة ومتطلباتها، أن نكون متحابين متآلفين، نسعى جميعاً بالتحلي بمكارم الأخلاق، ونبتعد عن مساوئها، في معاملاتنا مع بعضنا البعض، معاملة سامية خالية من الغش، والحسد، والظلم، وغيرها من الأخلاق المذمومة، معاملة قائمة على الأخوة الإيمانية بكل معانيها.

فالمسلم أخو المسلم (فلا يظلمه): بأي نوع من أنواع الظلم، في قول أو فعل، ولا يؤذيه بأي نوع من الأذى.

(ولا يخذله): الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي في التقاعس عن نصرته، وفي رواية البخاري (ولا يسلمه) بدلاً من (لا يخذله)، قال ابن حجر: أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وقد يكون ذلك واجباً وقد يكون مندوباً بحسب اختلاف الأحوال(2)، وهذا أخص من ترك الظلم، وبخاصة إذا كان في محنة، واحتاج إلى إخوانه، زاد الطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر “ولا يسلمه في مصيبة نزلت به”(3).

فالمسلم لا يترك نصرة أخيه المسلم المشروعة، سيما مع الاحتياج أو الاضطرار إليها؛ لأن من حقوق أخوة الإسلام التناصر؛ قال تعالى:

“وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى” [المائدة:2].

وقال تعالى:

“وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” [الأنفال:72].

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن خذلان المسلم لأخيه المسلم، ورغب في نصرته، أخرج أحمد في مسنده(4) من حديث جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاريين رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً، عند موطن تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءاً مسلماً، في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته”.

وقد أمر رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم أن ينصر المسلم أخاه المسلم، ظالماً كان أو مظلوماً، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: “تأخذ فوق يديه”(5).

وبين صلى الله عليه وسلم أن المجتمع المسلم بنيان متكامل، يشد بعضه بعضاً، ويقوي بعضه ببعض، فعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”، وشبك بين أصابعه(6).

فقد شبه نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم الأمة بالبنيان تترابط لبناته مع بعضها البعض حتى تصير وكأنه قطعة واحدة، وهذا ما ينبغي أن تكون عليه أمتنا من الترابط والاتحاد والاعتصام.

وفي حديث آخر يشبه صلى الله عليه وسلم مجتمع المؤمنين بالجسد الواحد الذي يهتم فيه كل عضو بالآخر، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”(7).

قال القاضي عياض: تمثيل صحيح، وتقريب للأفهام في إظهار المعاني في الصور المرئية، فيجب على المسلمين امتثال ما حض – عليه السلام – عليه من ذلك والتخلق به(8).

قال ابن رجب: وهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن، ويحزنه ما يحزنه.

قال ابن أبي جمرة: الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينهما فرق لطيف، فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي، وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه(10).

وهذا الحديث عند الترمذي(11) من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله…”، وتحصل من ذلك أن المسلم لا يظلم أخاه المسلم، ولا يخذله، ولا يسلمه، ولا يخونه، ولا يكذبه، ولا يحقره.

ثم يرشدنا صلى الله عليه وسلم أن نكون عباداً لله إخواناً، فقال صلى الله عليه وسلم: “وكونوا عباد الله إخواناً”، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ومعنى كونوا عباد الله إخواناً: أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق، والشفقة، والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك من صفاء القلوب والنصيحة بكل حال(12).

أما آن للأمة أن تعود إلى تعاليم ربها، وسنة نبيها، فلا يتقاطعون، ولا يتدابرون، ولا يتحاسدون، ولا يخون بعضهم بعضاً، ولا يكذب بعضهم بعضاً، ولا يغش بعضهم بعضاً، وإنما يلتقون على مائدة الأخوة الإيمانية، فيشد بعضهم بعضاً، ينصر القوي الضعيف، ويأخذ الغني بيد الفقير، وتسود بينهم روح التعاون والمساندة، يقول الله تعالى: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [التوبة:71].

وحين تحقق الأمة هذه المعاني السامية، وهذه التعاليم الراقية، تكون لها العزة والكرامة لا محالة، قال تعالى:

“وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ” [المنافقون:8].

نسأل الله أن يعيد لهذه الأمة ماضي عهدها، وسالف مجدها، وأن يرفع عنها الوباء والبلاء، وأن يجعل بلادنا الحبيبة مصر أمناً وأماناً، وسلماً وسلاماً، وسائر بلاد المسلمين.

الهوامش:

(1) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، [4/1986]، برقم: 2564.

(2) فتح الباري: 5/97.

(3) أخرجه الطبراني في معجمه، برقم: 13239.

(4) برقم: 16368، وأخرجه أبو داؤد في سننه، برقم: 4884.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: 2444.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: 2446.

(7) أخرجه مسلم في صحيحه: 2586.

(8) إكمال المعلم بفوائد مسلم: 8/57.

(9) جامع العلوم والحكم لابن رجب: 1/306.

(10) فتح الباري: 10/439.

(11) أخرجه الترمذي في سننه برقم: 1927، والبزار في مسنده، برقم: 8891.

(12) شرح النووي على صحيح مسلم: 16/351.

×