واجبنا نحو غزة

الكرة في ملعبنا
12 مايو, 2024

واجبنا نحو غزة

جعفر مسعود الحسني الندوي

علينا أن نرجع إلى الوراء حتى نصل إلى سنة 1900م حين دخل “قره صو” اليهودي على السلطان عبد الحميد الثاني، وأبلغه أنه جاء إليه ليطلب منه أن يعطي الجمعية الصهيونية الأراضي الواقعة بين يافا وغزة مقابل خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية، تدفعها الجمعية الصهيونية هدية إلى الخزينة السلطانية الخاصة، وعشرين مليونًا تقرضها الجمعية إلى الحكومة دون فائدة لمدة تعينها الحكومة، فاستشاط السلطان غضبًا، وطرده من ساعته رغم أن حكومته كانت في أمس حاجة إلى المال؛ لأنها تواجه أزمة مالية شديدة حينذاك.

وفي عام 1896م قبل هذا الحادث بأربع سنوات فقط كان قد سبق أن رد السلطان عبد الحميد على “هرتزل”اليهودي بالجواب التالي:

” ليدخر اليهود ملياراتهم، فإنهم لا يستطيعون الحصول على أي جزء من فلسطين، إنما جثتنا فقط هي التي تتقسم، ولن أرضى مطلقًا بأن يشرح جسمنا ونحن أحياء”.

لكن تصيبنا صدمة عنيفة حين يبلغنا أن ذلك الرجل الذي طرده السلطان عبد الحميد من حضرته بعد ما أبدى غضبه عليه عام 1900 كان أحد أعضاء الوفد الذي نقل إلى عبد الحميد نبأ خلعه، وكان عضوًا في البرلمان التركي، ونستطيع بذلك أن نقدر دهاء اليهود وسذاجة المسلمين، هل نسينا ما حدث مع الملك فيصل وقد هدد الولايات المتحدة الأمريكية، قائلاً: إننا نحرق آبار النفط ونعود إلى عصر الجمال والخيام، ولكن قبل أن ينفذ ما قال: قتله ابن أخيه وهو يستقبل الزوار في قصره.

وهل نسينا حادث سقوط طائرة تقل الرئيس الباكستاني الأسبق الذي يوصف بالرجل الفولادي وهو الرئيس محمد ضياء الحق وعددًا من كبار الجنرالات، وكلنا يعرف من وراء هذا الحادث.

فانقلب الوضع رأسًا على عقب خلال تسعة أعوام فقط، وجرى في هذه الأرض المقدسة التي احتضنت القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين أحداث غيرت خريطة هذه المنطقة وطبيعة العالم، تغيرت القيم، تغيرت الأعراف، تغيرت المقاييس، تغيرت الموازين، تغيرت الأفكار، تغيرت الميول والنزعات، وتمَّ استيلاء اليهود عليها بدسائس ومؤامرات نسجتها أيدي القوى الكبرى لليهود، وتمكن بها اليهود من بسط نفوذهم وفرض هيمنتهم وساعدهم في ذلك لجوؤهم إلى أربعة أمور وهي:

1– تمويل الصحف الصادرة في الدول الكبرى لفرض فكرتهم عليها، وذلك لتعبئة الجو لإقامة دولة صهيونية في فلسطين، وكسب التأييد من الدول الأوروبية عن طريق هذه الصحف.

2– شراء الأراضي بأسعار باهظة للزراعة، وإنشاء المصانع وإقامة المستوطنات.

3– تشريد أكبر عدد من أبناء فلسطين إلى الدول العربية المجاورة ليتم إخلاء هذه الأراضي من أهاليها المسلمين، وفتحت الدول العربية ذراعيها لتحتضن هذا العدد الهائل من الأخوة الفلسطينيين كأكبر مساعدة لهم، لكن هذه المساعدة ليست مساعدة في الحقيقة؛ وإنما هي مؤامرة سهلت لليهود عملية التشريد والإخلاء، وتقلصت بذلك نسبة المسلمين، وتقوضت سيطرتهم في فلسطين.

4– فتح الأبواب لهجرة اليهود إلى أرض فلسطين لترتفع نسبتهم، ولجأ اليهود لتحقيق هذا الهدف إلى إحداث الفتن وإثارة القضايا التي تدفع اليهود المقيمين في تلك الدول إلى أن ينتقلوا إلى فلسطين حيث تنتظرهم السعادة.

أليس من غريب الأمر أن يتم نقل المسلمين من فلسطين بينما يتم نقل اليهود إليها، ألا يدل ذلك على أن هذه المساعدة التي قدمتها الدول العربية للإخوة الفلسطينيين كانت في الواقع لصالح اليهود عمدًا كان أو خطئًا، وحققت نتائج يحلم بها اليهود منذ قرون.

هكذا ساعدنا ألد أعدائنا اليهود على قدم وساق، ولم نزل نساعدهم ونقدم إليهم الدعم، نساعدهم تارة بإغلاق معبر رفح لمنع وصول السلاح والمساعدات لمقاومة الأعداء، نساعدهم تارة أخرى بإقامة جدار فولادي لمنع وصول إخوتنا المجاهدين إليها، نجري مفاوضات مع قادة الكيان الصهيوني لتبريد سخونة الجو، نوقع على اتفاقيات تكسبهم الأموال وتفتح لهم المجال لإقامة السفارات، نقوم باستيراد منتجاتها وبضائعها التي تحمل أسماء مستعارة لتحصل منا على أموال طائلة وتبرز كقوة عسكرية باستخدام هذه الأموال في صناعة أحدث السلاح، خضنا معها عدة معارك، وفي كل معركة خسرنا أراضينا بسبب خيانتنا لديننا وأمتنا حتى لأنفسنا.

أشحنا وجوهنا عن المقاتلات والقاذفات الإسرائيلية التي تمطر القنابل على المدنيين الأبرياء العزل، وأغمضنا عيوننا عن الدبابات التي تدوس حتى الأطفال الصغار الذين يتوجهون إلى المدارس يحملون حقائبهم المدرسية، سددنا مسامعنا، فلا نسمع صيحات النساء، وبكاء الأطفال، وآهات الشيوخ في غزة، وأنين الشباب المثخنين بالجروح المعذبين في السجون بأقصى أنواع التعذيب بأيدي الصهاينة.

كل ما نقوم به ضد هذه المجازر التي يتعرض لها إخواننا في فلسطين وخاصة في غزة، هو إلقاء الخطب الحماسية من فوق المنابر، أو الإدلاء بالتصريحات الصحفية  احتجاجاً على تلك الدماء التي تراق بسخاء، أو عقد قمة في عاصمة من العواصم العربية لتتناول الأوضاع بالدراسة وتصدر توصيات على عادتها وحسب.

هل يمكن بذلك أن نغير الوضع أو نضغط على العدو أو نكرهه على الانسحاب، كلا! إن الجماهير المسلمة ليس لهم إلا الإدانة والاحتجاج وإطلاق المظاهرة والإدلاء بالتصريحات ومقاطعة البضائع، أما الحكومات فهي مطالبة باستخدام القوة، وتبني الموقف الصارم، ورفع النداء إلى الهيئات الدولية وفرض الضغوط عليها بكل قوة.

هذا أقل ما يجب على المسلم بشأن القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين وأهل غزة العزة.

×