التحوّلات الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية في الهند عام 2026
21 أبريل, 2026هل تتراجع حالة الديموقراطية في الهند؟
عبد المتين الندوي
بحسب ما أفادته وسائل الإعلام، أقر البرلمان الهندي مشروعَ ضريبة الدخل لسنة 2025م – أخيراً– تحت مسمى إصلاح لنظام الضرائب –فيما يبدو–، ولكن الواقع أن فيه بنداً يهجم مباشرةً على الحرية المدنية للشعب الهندي، وحق خصوصيته، حيث يحق لضباط ضريبة الدخل في ظل هذا القانون أن يصلوا إلى تفاصيل أي شخص يدفع الضريبة، بما فيها تفاصيل البريد الإلكتروني، والواتساب، وكل نوع من حسابات التواصل الاجتماعي، والمعلومات المسجلة الرقمية. ولكن السؤال الذي ينشأ هنا هل يحق للحكومة أن تأخذ المعلومات السرية للحياة الشخصية والأسرية لشعبها؟
لا يبدو أن الحكومة تهدف عبر هذا القانون إلى إصلاح نظام ضريبة الدخل فحسب كما تدعي، بل هي خطوة خطرة لتحويل البلد من بلد جمهوري إلى ولاية مستبدة.
تحتج الحكومة بأنها عثرت في كثير من الأحيان في الماضي على كثير من الابتزازات المالية، والخداعات في دفع الضرائب بمساعدة التوصل إلى تفاصيل الحوار الذي أجراه دافع الضريبة عبر البريد الإلكتروني، مما يؤكد أن هذا الخيار هو حاجة العصر، ولكن هذه الحجة لا يطمئن بها الشعب، بل يزداد همًّا وقلقًا. فالسؤال الناشئ هنا هل يجوز أن يُتخَذ ابتزازُ بعض المجرمين دليلاً يُبرِّر وضع جميع المدنيين موضع الشك، وكشف مكالماتهم الشخصية. وهل هذه الخطوة مبنية على العدل أم صورة جديدة للاستبداد؟
بعد تنفيذ هذا القانون لا يطمئن أي مدني حيال صيانة رسالاته الشخصية ومعلومات حياته الذاتية، لأن هذا القانون يسمح للحكومة بأن تصل إلى ذلك الجزء من حياة الناس الشخصية والعائلية الذي لا يمكن لأحد أن يصل إليه. وإن هذا المشروع يحوي بعض المصطلحات الغامضة أمثال المساحات الرقمية الافتراضية، مما يدل على أن الحكومة قد فتحت طريقاً واسعاً –عن قصد– إلى السيطرة على الشعب، ومن أهم ما يُقلق حيال هذا المشروع هو أنه لا يرى السماح من قبل المحكمة أمراً ضرورياً في هذه العملية كلها، أي سيكون الخيار لأي ضابط أن يصل إلى رسائلك وحساباتك ويحقق فيها إذا أراد أن يفعل ذلك، كما أن كل محامٍ ومحامية، وكل مريض، وطبيبٍ، وصحفي في جميع وسائله، وكل نوع من أنواع القرابة أو العلاقة ذات الاحترام المتبادل أمثال علاقة الزوج بالزوجة، سوف تُعرَّض لهذا المشروع. ومن هنا فإن ذلك ليس شناً للغارة على خصوصية الإنسان فحسب، بل أيضاً إنه هجوم سافر على نفس المبادئ الخلقية والاجتماعية.
وكانت المحكمة العليا قد اعتبرت الخصوصية حقاً أساسياً للشعب أثناء حكمها في قضية “بتا سوامي” لعام 2017م، موضحةً أن الحكومة لا يُسمح لها بالتدخل في أي شأن إلا إذا كان ذلك ضرورياً، ومتناسباً، وشفافاً، ولكن مشروع ضريبة الدخل المذكور لا يراعي أيًّا من هذه الشروط الثلاثة، فلم تُعرَّف فيه الضرورة بطريقة معقولة، ولا قُرِّر فيه مقياسٌ للتناسب، ولا اعتُبر فيه إشرافُ المحكمة عليه ضرورياً للتأكد من الشفافية، إذ الديموقراطية لا تتمثل في إدلاء الصوت فحسب، وإنما تعني كذلك أن يكون كل مدني في حياته الشخصية بحيث يحق له أن يعيش حياة حرة كريمة لا يكدر صفوَها الخوفُ والرقابة، فإن تخوف كل مدني من قراءةِ الحكومة رسائلها أو مراقبتها لتفاصيل علاقاته الشخصية، فإن هذه ليست بحرية قطعاً، وإنما هي أشنع وأبشع من العبودية.
ومن الواضح أن هذا المشروع لا تُمثل قصة منفردة، بل هو جزءٌ من النزعات الخطرة التي تبرز أخيراً بشكل سريع في البلاد، فبدءاً من فرض “آدهار كارد”، وتنفيذ قانون وقاية البيانات الرقمية، وانتهاءً بهذا القانون الجديد المقرَّر الآن، تقوم الحكومة –في غطاء كل ذلك– بإحكام سيطرتها على المدنيين في كل خطوة من خطواتهم. أما وسائل الإعلام فهي تحت الضغط من ذي قبل، ويُسكَت كل صوت يرفع ضد الحكومة بحجة أن صاحبَه “عدوٌّ للبلاد”. والآن تُستهدف المكالمات الشخصية كذلك، وينتج كل ذلك عن أن الديموقراطية إنما تتشوه صورتها، ويمتد الظل الأسود للمراقبة يوماً فيوماً، والحال أن العالم قد سبق أن مرَّ بمثل هذه الأوضاع. ومنها على سبيل المثال أنه لما اتضح لدى الأمريكيين باكتشاف “إسنودن” أن وكالة الأمن الوطني (NSA) ترصد المحتويات المتمثلة في مكالمات آلالاف المدنيين ورسائلهم عبر البريد الإلكتروني، استشاط الناس غضباً، واشتد الضغط الشعبي على الوكالة حتى اضطرت الحكومة الأمريكية إلى تغيير القانون. وبدورها تراقب الحكومة الصينية على كل مدني في جميع أنشطته عبر الانترنت تحت غطاء “نظام الائتمان الاجتماعي”، مما يسفر عن أن الشعب الصيني يعيش عيشة خوف حتى في حياته الشخصية، وبالعكس من ذلك، قام الاتحاد الأوروبي بتأكيد الخصوصية عبر قانون “اللائحة العامة لحماية البيانات” (GDPR)، ولا يمكن هناك أن تستخدم أي حكومة أو جهاز أمني بياناتِ المدنيين من دون أخذ الإذن بذلك.
والآن أمام حكومة الهند خياران. إما أن تسلك مسلك الاتحاد الأوروبي وتدافع دفاعاً قوياً عن حرية المدنيين، وإما أن تختار طريقة الصين وتجعل نفسها ولاية ذات رقابة شديدة على المدنيين.
لا شك أن سرقة ضريبة الدخل يجب أن تنتهي، ولكن من غير المقبول بحالٍ أن تصبح حرية المدنيين وخصوصيتهم كبشَ فداءٍ لنيل هذا المقصود. وعلى الحكومة أن تدرك أن فقد ثقة المدنيين سيكون أشد وأقسى من أخذ الضريبة بكثير، وعلى البرلمان الهندي أن يعيد النظر في هذا القانون، وأن يؤكد أخذ السماح من المحكمة بهذا الصدد، ويحافظ على الحق الدستوري لخصوصية المدنيين، وإلا سيقول الجيل القادم أن الهند قد أضعفت ديموقراطيتها بتقنينها بالذات.

