سياسة المصالحة على طول الخط

الانتخابات العامة في البلد
18 مايو, 2024
نتائج الانتخابات البرلمانية في الهند
18 يوليو, 2024

سياسة المصالحة على طول الخط

ماركندي كاتجو (قاضي المحكمة العليا سابقا)

تعريب: إبراهيم عمر

نشرت صحيفة “انقلاب” اليومية في عددها الصادر يوم الجمعة 31/05/2024م مقالة كتبها قاضي المحكمة العليا سابقًا “ماركندي كاتجو” يقول فيها:

” إن الهند بلد ذو تعدُّد وتنوُّع، حيث توجد فيها ديانات عديدة، وتسكنها شعوب وقبائل مختلفة، وتوجد فيها لغات متنوعة، وحضارات مختلفة، لذلك لا تصلح لها أي خطة عمل سوى ” سياسة المصالحة على طول الخط “وهي سياسة احترام جميع الأديان، ورعاية حقوق سائر الشعوب والطبقات على السواء، وهذه هي السياسة التي كان قد اختارها الملك المغولي” أكبر ” في زمنه، وأنا أؤمن بأنه كان سيد القوم.

بعد نهاية “حرب مهابهارت” قدم العجوز “بستم بتامه”نصيحة لـ”يدهشترا “الذي كان على وشك أن يتولى منصب الملك: “إن البلاد والحكومات لا تزول إلا بسبب حروبها الأهلية، لذلك لابد للمسئولين عن الحكم أن يحسنوا العلاقه الودية بين الجماهير. ( مهابهارت: باب 107/ 107/، شلوكا:14)

يبلغ عدد سكان الهند حاليًا حوالي:1400 مليون نسمة، يشكل الهندوس منهم حوالي 80%، بينما يبلغ عدد المسلمين في الهند إلى 200 مليون نسمة، أي قرابة 15%، ولا يقل عدد المسيحيين والسيخ والجين من الملايين، فلابد لتوحيد الهند ورقيِّها أن تحترم حكومة الهند جميع الأديان وأتباعها.

لكننا نجد نريندرا مودي أن حياته العملية لا تتفق مع هذه السياسة، بل إنه خالفها منذ كونه كبير الوزراء لولاية غجرات في 2001م مخالفة صريحة، كان مودي عضوًا في منظمة “آر ايس ايس ” منذ نعومة أظفاره، وقد أُسِّست هذه المنظمة برعاية من الحكومة البريطانية عام 1925م لتحقيق خطتها الخاصة (divide and rule) وكان من أهداف هذه المنظمة: العداء للمسلمين كما يدل عليه ما جاء في كتاب (A bench of thought) لرئيسها الأول “ايم ايس غوالكر”، وفرضت المنظمة قراءة هذا الكتاب على جميع أعضائها ومتبعيها، نجد فيه فصلا خاصًا يتحدث عن المسلمين، فقد وصف المؤلف المسلمين في هذا الفصل بألقاب شنيعة، مثلا: “المسلمون متطرفون ومشاغبون” و”قطاع الطريق”، و”المهاجمون الأجانب” وغير ذلك.

وأنا أعتقد اعتقادًا جازمًا بأن مودي قد تمسَّك بهذا الكتاب بقوة، وانتهج منهج مؤلفه واقتدى به، لأن هذا الكتاب ينزل عندهم منزلة الإنجيل عند النصارى، كان مودي من نشطاء هذه المنظمة المتحمسين إلى زمن طويل، ثم دخل في مجال السياسة والحكم، فانتخب كبير الوزراء لولاية غجرات من حزب “بي جي بي” وهو جناح سياسي لمنظمة “آر ايس ايس” وهي العقل المدبر للحكومة، فبعد تولِّي مودي منصب كبير وزراء غجرات حدثت فيها اضطرابات طائفية بشعة، قتل فيها أكثر من 2000 نسمة.

ثم في عام 2014م انتخب مودي كرئيس وزراء الهند، فولايته التي تمتد على 10 أعوام وقعت فيها أحداث مرعبة واضطرابات مفزعة ذهب ضحيتها آلاف من الناس.

قتل عدد كبير من المسلمين بأيدي المدعين بصيانة البقرة، أولا رموا بعض المسلمين بتجارة لحوم البقرة رميًا كاذبًا، ثم أخذوهم وقتلوهم، وضرب عدد منهم لعدم هتفهم بـ” جي شري رام ” ضربًا مبرحًا، بمرآي من الشرطة ومسمع، وهم لا يحركون ساكنًا، وهدمت بيوت كثيرة للمسلمين، وقبض رجال الشرطة على آلاف من المسلمين الأبرياء بتهم مفبركة وأدلة كاذبة، مدعين بأنهم إرهابيون ومجرمون، وأكثرهم يعيشون وراء جدران السجون في ظروف غير إنسانية.

وتمت هذه الإجراءات البربرية على مرأي من مودي ومسمع، بل إنه بنفسه جهر بعدائه للمسلمين علنًا في بياناته وكلماته التي ألقاها أمام الجماهير، وخاصة في خطبه السياسية خلال قيامه بالحملات الانتخابية.

في الهند 28 ولاية، و8 منها تملك أمورها الحكومةُ المركزية مباشرة، فلا يوجد فيها الأمن والاستقرار والهدوء، وهي تتعرض للفوضى وعدم الاستقرار، ولا تكمل أي حكومة مدتها المقررة، بل تعيش هذه الولايات حالة الاضطراب وغياب الأمن، وتعقد الانتخابات حينا لآخر، فيغتنم حزب “بي جي بي” الحاكم هذه الفرص، ولا يفوته أبدا إظهار العداوة ضد المسلمين، وإنه يسعى لصبغ سائر مؤسسات الهند الرسمية وغيرها بالصبغة الهندوسية.

وقد سمعنا خطبة رئيس الوزراء مودي التي ألقاها في مديرية باسواره بولاية راجستان قال فيها: “جميع مسلمي الهند أجانب”، رغم أن من له أدنى إلمام بالتاريخ يعلم أن 95% من المسلمين سكان الهند الأصليين، وآباؤهم كانوا قد اعتنقوا الاسلام قبل قرون، فليسوا بدخلاء وأجانب.

ثم قال مودي في مقابلته مع الصحافية “روبكا لياقت” مدعيا بـ”أنني لا أستخدم “رمز المسلم والهندوسي” فيما أفعله أو آمر به، وإن فعلت ذلك فلن يكون لي حق للعيش في المجتمع، ولكن أفعاله تكذب قوله، فانه يكذب ليلا ونهارا كما سمعناه في خطب كثيرة ومقابلات عديدة.

يمتلك مودي عقلية إقطاعية ونظرية رجعية تمامًا، لقد ادعى مرة “بأن أسلافنا الهندوس كانوا واقفين بعمليات جراحة الرأس ويقومون بها، ويأتي بدليل على ذلك من قصة أحد الآلهة الهندوسية الذي كان لديه رأس فيل، هو يزيد في قوله بأنهم كانوا يعلمون بالهندسة الجينية وعلاج الخلايا الجذعية وغيرها.

لكن عندما يتعلق الأمر بالمشكلات الحقيقية والقضايا التي تعاني منها الهند، مثل الفقر المدقع، والمجاعة المهلكة، والبطالة المتفاقمة التي قد بلغت فوق ما يتصور، والمستوى المخيف لنقص تغذية الأطفال (حسب تقرير منظمة الجوع العالمية ) والزيادة الفاحشة في أسعار المواد الغذائية والحاجيات الأساسية للحياة، وعدم وجود الرعاية الصحية، وفقدان فرص التعليم، فلا يعلم مودي حل هذه المشكلات، ولن أكون كاذبًا إن قلت أن مودي ليس له شغل سوى إبداء البغضاء من المسلمين، وهو لا يقدرعلى فهم الواقع.

فلو أصابته الهزيمة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لكان في ذلك راحة حقيقية لسكان البلد، لا فقط لمسلمي الهند؛ بل لجميع أهلها”.

×