الشيخ عبد القدوس الهاشمي الندوي
مبين أحمد الأعظمي الندوي
الشيخ عبد القدوس الهاشمي الندوي: عالم، كاتب، محقق، خطيب، رِوائي، مترجم، وشاعر بالأردية والفارسية، وله إلمامٌ بكل واحدة من اللغات العربية، والأردية، والهندية، والسنسكريتية، والفارسية، والإنكليزية، والعبرية، والتركية، فكان غزير العلم، كثير المطالعة، وواسع الأفق، خصوصاً أن والده كان قد بنى مكتبة شخصية صغيرة في بيته، فاستفاد منها كثيراً. وكان باحثا محققا بمعنى الكلمة، حتى أنه خلال تحقيقه لأحوال المؤلف أحمد بن طغرل بك راسل كثيراً من علماء أوروبا، منهم المستشرق البريطاني المعروف البروفيسور مارغوليوته. خطب وعمرُه ثلث عشرة سنة في حفلةٍ عقدتها حركة ترك الموالاة بمدينة “مئو” برئاسة السيد سليمان الندوي، فأثنى عليه الحضور، ومسح السيد الرئيسُ على رأسه ودعا له بالبركة. ومن شعره –باللغة الفارسية– الذي قرأه في حفلة ترحيب للسيد سليمان الندوي أقامها طلاب دار العلوم لندوة العلماء بمناسبة عودته من الحجاز المقدس:
بر سرِ اوجِ ما ابرِ خراماں آمد
مژدہ اے بلبلِ شیدا کہ بَھاراں آمد
سید آمد بہ وطن، روح بہ گردید بہ تن
گلِ رفتہ ز چمن باز بہ بستاں آمد
اقروؤه مرة ثانية، واستمتعوا بحلاوة بيانه، ودقة ألفاظه، وحرارة معانيه!
ولادته ونشأته:
ولد في 26/ يونيو سنة 1911م/ 1330ه في أسرة علمية من بلدة “مخدوم فور” بمديرية “غَيَا” من ولاية “بهار” (الهند)، وكان والده السيد أوسط حسين من تلامذة المحدث المعروف الشيخ محمد نذير حسين الدهلوي ومن أقربائه كذلك، فأبصر النور في بيئة صالحة، ووقع على سمعه حديثُ العلم والدين منذ صغر سنه.
تعليمه:
تعلم ابتدائيا في بيته على يد خالته “قريشة خاتون”، والمدرس “ملك منور حسين”، وربما كان والده يعلمه أيضاً، وتوفي هذا سنة 1922م وابنُه عبد القدوس لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فأُدخل في مدرسة ابتدائية هندوسية تقع في إحدى القرى المجاورة “هَتِهيانواں”، وتعلم بها الهندية والحساب، ثم اتجه إلى المدرسة أنوار العلوم بمدينة “غيا” حيث قرأ كاملَ ترجمةِ القرآن بالأردية على يد العالم الشهير السيد محمد سجاد رحمه الله، ومن هنا ذهب إلى المدرسة العالية بمدينة “مئو” من أترابراديش، وانتسب إليها، ثم التحق أخيراً بدار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ سنة 1926م، وتخرج فيها سنة 1929م.
بعد التخرج:
اشتغل أولاً بوظيفة ترتيب المخطوطات في مكتبة رضا بـ “رام فور”، ثم استدعاه الأمير بهادر جنغ إلى حيدر آباد وولَّاه مسؤولية الإشراف على ما أقامه من مكتبةٍ، وسكنٍ للطلاب، ومعهدٍ للعلوم الشرقية في مبنى دار السلام، ولما انقسمت الهند إلى بلدين رحل إلى باكستان، وبدأ هناك عملاً تجارياً في مجال الأغذية، ولكنه قضى أكثر أوقاته متجولاً في أرياف “السِند” بحثا وتحقيقا ودراسة في النوادر من الكتب والمخطوطات. انضم في آخر عمره إلى مؤتمر العالم الإسلامي وعمل فيه كمستشار أعلى للمؤتمر، وتولى كذلك إدارةَ معهد التحقيقات الإسلامية، والإشرافَ على مكتبته، وكان عضواً فعالاً للمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وسافر كثيراً من البلاد في هذا الخصوص.
ويذكر أنه خلال إقامته في حيدر آباد أصدر منها جريدة شهرية باسم “تاجر”، ولما صدرت جريدة “نديم” من “غيا” فساهم في إدارته فعلياً، كما أنه شغل –مدةً– إدارةَ الجريدة الفصلية “فكر ونظر” الصادرة من معهد التحقيقات الإسلامية بإسلام آباد.
أعماله:
ساهم في تأليف “معجم المصنفين” تحت إشراف العلامة محمود حسن خان الطوكي، وألف العديد من الكتب، منها: “مختصر تاريخ خلافت اسلاميه” (من خلافة أبي بكر الصديق إلى السلطان عبد المجيد خان الثاني)، و”الديانة الإسلامية”، و”فهمِ حديث”، و”تقويم تاريخي”، و”المرشد الأمين”، و”تاريخ أفغانستان”، و”اسلامي ممالك”، و”تجريد التوحيد”، وله رسالة باسم “همارا رسم الخط” تتحدث عن كيفية ظهور الخط الأردي بالمقارنة مع الخط اللاطيني والهندي، ورسالة باسم “مستشرقين اور تحقيقات اسلامي” تُعرِّف بالاستشراق بشكل جامع وجيز. وترجم العديد من الكتب باللغة الأردية، منها: الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله، ترجمه باسم “كتاب زندگي” بأسلوب سهل ممتع، والكتاب (Belief And Action) للسياسي البريطاني اليهودي هربرت صموئيل وسكاؤنت الأول باسم “يقين وعمل”، والكتاب (Verdict On India) للكاتب البريطاني بيفيرلي نيكولز باسم “فيصلۂ هندوستان”، وترجم كذلك “مجلة الأحكام الشرعية” التي وضعتها لجنة من الفقهاء والخبراء الشرعيين بأمر من السلطان عبد العزيز خان العثماني. وله كتاب الرحلة إلى الصين باسم “سفرنامۂ چین”. ويجدر بالذكر أن له بضعةَ كتب تسلط الضوء على تاريخ باكستان من نواح شتى، وجوانب متعددة، بالإضافة إلى كتب أخرى عديدة ومقالات مختلفة كثيرة لا يمكن استيعابها في هذا المقال الوجيز.
وفاته:
وافته المنية في 26 من يناير 1989م، بكراتشي، ودفن بها في مقبرة سخي حسن. رحمه الله وغفر له.
* * *

