وفاة الدكتور محمد منظور عالم رحمه الله تعالى

الشيخ الدكتور عبد الله عمر نصيف في ذمة الله
22 نوفمبر, 2025
الشيخ الدكتور عبد الله عمر نصيف في ذمة الله
22 نوفمبر, 2025

وفاة الدكتور محمد منظور عالم رحمه الله تعالى

د. محمد أكرم الندوي (أوكسفورد)
في صبيحة هذا اليوم، الرابع والعشرين من رجب سنة 1447هـ المصادف 16/يناير 2026م، بلغنا نبأٌ حزين ترك أثره العميق في القلوب والنفوس، لقد انتقل إلى جوار ربه الدكتور محمد منظور عالم فإنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله أن يرفعه في عليين، وأن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يُفيض على أهله ومحبيه وتلامذته صبرًا جميلًا يليق بعظيم الفقد وجليل المصاب.
لم يكن رحيله فقدَ شخصٍ فحسب، بل كان غيابَ معنى، وانطفاءَ حضورٍ علميٍّ ظلّ زمنًا طويلًا يُنير العقول ويهدي السالكين في دروب الفكر. فقد اجتمعت في شخصيته خصالٌ قلّ أن تجتمع: متانة العلم، واتساع الأفق، وهدوء الطبع، وصلابة العمل؛ حتى غدا مثالًا للقيادة الفكرية التي تُدرك أن نهضة الأمم لا تُبنى بالخطب الحماسية، ولا بالشعارات العاطفية، وإنما تُشاد بالعقل المنظم، والرؤية البعيدة، والمؤسسة الراسخة، والعمل العلمي الذي لا يعرف الكلل ولا يرضى بالسطح.
نظر رحمه الله إلى واقع الأمة نظرة المتأمل العارف، فرأى تشتتًا في الأفكار، واضطرابًا في المناهج، وتنازعًا بين الموروث والواقع. لكنه لم يكن من الذين يكتفون بوصف الداء، ولا من أولئك الذين يستطيبون النقد المجرد، بل كان من القلّة التي تؤمن بأن الفكر إذا لم يتحول إلى مشروع، والمعرفة إذا لم تُصَغ في مؤسسة، ظلت حبيسة الكتب والخواطر. ومن هنا جاء معهد الدراسات الموضوعية شاهدًا حيًّا على وعيه العميق بدور المؤسسة في صناعة الفكر وتوجيهه؛ إذ غدا، في ظل رعايته وإشرافه، منبرًا للبحث الجاد، وفضاءً للحوار الرصين، وجسرًا يصل المعرفة بالغاية، والتراث بأسئلة العصر، ويجمع تحت سقفه علماء وباحثين من آفاق وطنية ودولية متعددة، يتدارسون قضايا الإنسان والمجتمع بلغة العلم ومسؤولية الرسالة.
وكان رحمه الله قليل الكلام، لا لأن البيان ضاق عنه، بل لأن البيان عنده لا يُبتذل. فإذا تكلّم أصغى السامعون، وإذا سكت شعر الجالسون أن في سكوته معنى لا يقل عمقًا عن الكلام. أما كتاباته ومحاضراته فلم تكن تستهدف أثرًا عاجلًا ولا صدى سريعًا، بل كانت تُكتب لتبقى، وتُلقى لتترسخ، وتُثمر مع الزمن فهمًا أعمق ورؤيةً أوضح.
وعلى الصعيد الشخصي، لم يكن لي معه طول صحبة، ولا امتداد مجالس، ولا تتابع لقاءات؛ إذ لم يجمعني به إلا لقاء واحد. غير أن في الحياة لقاءاتٍ قليلة العدد، عظيمة الأثر، تُغني عن كثرة المخالطة، وتكشف في لحظات ما لا تكشفه الأعوام. فقد كان ذلك اللقاء كافيًا لأن يُطلعني على جوهر الرجل، وأن يرسم في النفس صورة لا تمحوها الأيام.
وفي ذلك اللقاء، لمستُ عن قرب أخلاقه الرفيعة، وتواضعه الجمّ، واحترامه الصادق للعلم وأهله؛ احترامًا لا تصنع فيه ولا تكلف، بل ينبع من يقينٍ راسخ بأن العلم أوسع من الأفراد، وأن الحقيقة لا تحتكرها مدرسة ولا يستأثر بها منهج. وقد أحاطني بتقديرٍ كريم، لا بوصفه مجاملة عابرة، ولا لطف مناسبة، بل تعبيرًا صادقًا عن خُلُقٍ أصيل، وسجيةٍ راسخة، وشخصيةٍ ترى في الحوار العلمي ضربًا من العبادة، وفي احترام المختلف عنوانًا لنُبل الفكر وسموّ الروح.
رحل الدكتور محمد منظور عالم رحمه الله عن عمرٍ ناهز إحدى وثمانين سنة، وكأن برحيله أُغلق فصلٌ من زمنٍ كان للفكر فيه هيبة، وللعلم فيه رسالة. غير أن الحقيقة الأعمق تقول إن أمثال هؤلاء لا يرحلون تمامًا؛ إذ تبقى آثارهم حيث زرعوا، وتبقى أفكارهم حيث أسسوا، وتبقى أرواحهم حاضرة في العقول التي ربّوها، والمؤسسات التي شادوها، والكتب التي خلّفوها. وسيظل معهد الدراسات الموضوعية، ومن ورائه الجهود العلمية والفكرية التي انطلقت منه، شاهدًا على رجلٍ آمن بالعقل، وخدم الدين بالفكر، وأخلص للإنسان بالعلم.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.