كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (3)
1 فبراير, 2026صحيفة الرائد ومؤسسها الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
د. غياث الإسلام الصديقي الندوي (نيودلهي)
العلامة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي كان من أبرز أعلام الصحافة في الهند، وله اطلاع واسع على ضرورة الصحافة وقوتها، وتأثيرها في المجتمع البشري، ودورها في بناء الحضارة، وواقعها في العالم المعاصر. فأولى اهتماماً بالغاً بالصحافة العربية وتأصيلها في الهند حيث لم يزل يثريها بكتاباته البحثية والأدبية حول موضوعات متنوعة. وأنشأ صحيفة “الرائد” العربية النصف شهرية في عام 1959م. وظلت تصدر بإشرافه مجلات مختلفة بما فيها مجلة “البعث الإسلامي” العربية، ومجلة “تعميرحيات” الأوردية، ومجلة “سچا راهي” الهندية، ومجلة “عبق الشرق” باللغة الإنجليزية (The Fragrance of East).
كان يرى العلامة الندوي أن الصحافة أشمل وسيلة ديمقراطية لتعبئة الرأي العام في نظام المدنية الغربية، فيناقش هذا الموضوع ويوضح أن الصحافة قد احتلت مكانة السياسة والسيطرة في النظام الغربي للحياة، وهي لا تقف عند حدود الأهداف الخلقية والاجتماعية، ولقد بسطت نفوذها على المصالح التجارية كذلك ونفذت إليها نفوذاً تامّاً فالبلاد المتقدمة التي اتخذت الحياة المادية والتجارية ديدناها ومبدأها الأصيل فهي لا ترى إلا بمنظار المنافع والخسائر المادية، جعلت الصحافة فيها أهم وسيله لترويج البضائع وتطوير التجارة فتصدر الصحف والجرائد اليومية فيها في نحو سبعين صفحة أو أكثر أو أقل، ولا تكون منها إلا ثماني أو عشر صفحات تختص بنشر الأبناء، أمّا البقية فتكون للفنون والتسلية وللإعلانات والشؤون المادية والتجارية(1).
فقدّم أستاذنا نموذجاً عملياً للأهداف الصالحة للصحافة عن طريق إنشاء هذه الصحيفة التي أصبحت من أقدم الصحف والجرائد العربية المنشورة في الهند، وحلقة ذهبية في الصحافة والإعلام العربي، ونالت قبولاً حسناً على المستوى الدولي. إنها بدأت في الخمسينات من القرن التاسع عشر الميلادي، ويتضمن عددها الأول(2) مقالات تالية بالترتيب:
• “مسؤولية الطالب الديني أضخم مسؤولية في العالم”، محاضرة لسماحة الأستاذ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي في النادي العربي، قدّمها للرائد، الأستاذ ضياء الحسن سكرتير النادي آنذاك.
• “من معاني القرآن” بقلم الشيخ “عبد الرحمن البنا” من صحيفة الجمهورية.
• “كلمة الرائد” بقلم الأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي.
• “قصة النادي العربي” بقلم الأستاذ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي.
• “السياسة العالمية” مقتطف من صحيفة الجمهورية قدّمه الطالب عبد العزيز.
• “كيف يصير المرء عظيما” بقلم الطالب سراج الرحمن من الصف السابع.
• “حياتنا الإسلامية” بقلم الطالب مزمل حسين من الصف الخامس.
• “أكثر البلدان إنتاجاً للنخيل”، و”الاعتراف أخيراً”، و”الفرق بين النهر والبحر” مقتطفات من صحيفة الجمهورية قدّمها الطالب محمد يونس النكرامي من الصف الخامس بعنوان: “قرأت لكم”.
• قصيدة “حداء الدعوة” للشاعر فخر الدين قبادة.
وعقب استعراض عددها الأول يمكن التوصل إلى أن إنشاء هذه الصحيفة كان لتحفيز الطلاب إلى الدراسة والكتابة باللغة العربية، وهذا هو ما قد واظبت الصحيفة عليه منذ بدايتها إلى الآونة الأخيرة، ولا تزال تؤدي دوراً مهماً في نشر هذه اللغة وتشويق الطلاب إليها. وبالإضافة إلى ذلك، إنها تقدّم مقالات علمية وأدبية وفكرية وتربوية، وسياسية، وثقافية، واجتماعية، وتعليقات وتحليلات للأوضاع والظروف، المحلية والعالمية.
لقد واظب الشيخ على الكتابة فيها طوال الحياة، وظلّ مشرفاً عليها، وربّى جيلاً تلو الآخر على الكتابة بالعربية عن طريق هذه الصحيفة. وهي لا تزال على قدم وساق، وتصدر عن مؤسسة الصحافة والنشر بندوة العلماء، ولم تتوقف لبرهة من الزمن في حين كثيرة من أخواتها بدأ صدورها وتوقف بعد زمن يسير أو طويل في مختلف أرجاء الهند.
وعلى حدّ تعبير أستاذنا الجليل الدكتور سعيد الأعظمي الندوي: “هذه المأثرة اللغوية التي يتصف بها أستاذنا الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي كانت ولا تزال بمثابة “إنجازات عملاقة”، فكان أمة في رجل، وكانت صحيفة الرائد ليست عنده كجريدة تصدر وتنشر من مدرسة من المدارس العربية، بل كانت تحمل عنده فكرة جامعة لتعليم اللغة العربية، ومنبراً صادقاً لنشر الفكر الإسلامي، ومدرسة صحفية لتربية الأجيال الناشئة، كما كانت همزة وصل بين العرب والعجم لتبادل الأفكار والاتجاهات البناءة، ولا شك أن هذه الأهداف قد تحققت في هذه المدة بأكمل صورها وأشكالها، وكل ذلك بجهود واعتناء أستاذنا الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله”(3).
فصحيفة “الرائد” تطبيق مثالي رائع لفكرة قدّمها مؤسسها العلامة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي عن الصحافة، واستخدمها لخدمة الصحافة العربية الإسلامية، وتثقيف الأذهان بالثقافة الإيمانية، وإبراز الحقائق الثابتة، وازدهرت الصحيفة في حياته كأنها ” تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”، وهي أقدم صحيفة نصف شهرية في الهند، لا تزال تصدر وتؤدّي مسؤوليتها العلمية والفكرية، واللغوية والأدبية، فلو لم تكن أية خدمة للعلامة الندوي سواها، لكفت هذه الصحيفة مفخرة له، وذخيرة نافعة له في الآخرة، وتراثاً لعلمه وفكره وأدبه.
ظلّ العلامة الندوي يؤدّي طوال حياته دوراً رائعاً في الصحافة العربية، ومن يقرأ مقالاته الصحفية ويستعرضها، يجده فيها يشرح دقائق الأمور لنجاح المعلّمين والمتعلمين، ويفكّر ويدبّر لإصلاح المجتمع البشري بصورة عامة، وإصلاح المسلمين الهنود بصفة خاصة، وفي كلّ ذلك يتجلى العلامة الندوي عالماً ربانياً، ومصلحاً اجتماعياً، ومعلماً بصيراً، وناقداً ماهراً، ومطلعاً على عصور مختلفة من التاريخ والحضارة، وله نظر ثاقب في مواضع الضُعف والمَهانة، وأسباب الرقي والازدهار للمجتمع البشري. فمقالاته الصحفية ثروة علمية وفكرية وأدبية، لاتزال تتفتح بها الأذهان وتتنور بها القلوب إلى أمد بعيد.
الهوامش:
1– الندوي، الشيخ محمد الرابع الحسني: مقالات في التربية والمجتمع، ص101.
2– انظر للتفصيل: الرائد، ع1، ج1.
3– الرائد، ع21–24، ج64، وع1–4، ج65، ص14.
* * *

