كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (3)

كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (2)
18 يناير, 2026
صحيفة الرائد ومؤسسها الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
1 فبراير, 2026
كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (2)
18 يناير, 2026
صحيفة الرائد ومؤسسها الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
1 فبراير, 2026

كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (3)

الأستاذ عبد اللطيف، زاهدان
الاستفادة العلمية من عمه:
يقول العلامة الندوي: وقرأت في تلك الأيام (مابين 1926م– 1928م) أيضًا على العم الشيخ السيد محمد طلحة الحسني، ولم يكن هو أستاذًا في الصرف والنحو فحسب، بل كان إمامًا فيهمًا، وكانت له اليد الطولي في التمرين فيهما بصفة خاصة، وقد استفدت منه كثيرًا في فهم القواعد النحوية والصرفية الضرورية، بحيث أصبحت جزءًا من عقلي، وكان الشيخ لا يسمح أبدًا بالخطأ النحوي أو الصرفي أو الغلط في العبارة، وكان ينكت بالطالب إذا وقع منه ذلك، ويتندر عليه بالكلام اللاذع، وكان طالبه لأجل ذلك يأخذ بكل حذر ويقظة.(في مسيرة الحياة:1/ 85)
وذهب به عمه السيد طلحة إلى الأستاذ محمد شفيع عميد الكلية الشرقية بلاهور الذي كان يحتل مكانًا مرموقًا بين الأساتذة الفضلاء، فلما قرأ بعض مقالات السيد الندوي باهتمام وعناية، قال: رأيي فيه أن يتخذ اللغة العربية موضوعه، ويركز عليها، ويختص فيها، ويحاول فيها النبوغ وبلوغ الكمال.
يقول العلامة الندوي: وقد كان هذا الاقتراح يختلف عن آراء كثير من المدرسين والدارسين في الكليات والجامعات والمتخصصين في شئون التعليم، الذين كانوا يشيرون عليَّ بتعليم الانكليزية، والتهيؤ والاستعداد للوظائف الحكومية التي كان لها نفوذ عجيب وسلطة كبيرة في الهند. (نفس المصدر:1/93)
وقد يسرالله للعلامة الندوي أن يتعلم العربية بمنهج مبتكر وطريقة حسنة، فازداد شوقًا بها لكنه يذكر أنه كانت الصعوبة أمامه في شيئين يقول: أحدهما فن العروض الذي كان المقرر فيه كتاب «محيط الدائرة»، وليست لي مناسبة بهذا الفن لا قديمًا ولا حديثًا، وثانيهما المسائل النحوية الدقيقة وشق الشعرة فيها، ولم أكن أملك في هذا العلم إلا المسائل العلمية الضرورية من النحو وفهمها والتمرينات لها. (في مسيرة الحياة:1/ 87)
تربية أخيه الحكيمة وعنايته بالعربية:
كما يعترف السيد الندوي رحمه الله أن أخاه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي الندوي الذي تولي تربية أخيه الأصغر (السيد الندوي) قد رزق ملكة خاصة موهوبة للتربية والتعليم، وكان يختار طرقا وأساليب جديدة لتعلم العربية، وكان مساعي أخيه الأصغر في مجال تعلم العربية بمرأي ومسمع منه، وكان يحب أن يتجه أخوه الصغير اتجاهًا صحيحًا، ويتعرف علي الأسلاف الماضين من العلماء الربانيين، ولا سيما الإمام أحمد بن عرفان الشهيد، وتنمو فكرته على حبهم ويتعرف على آفاق دعوته، ويستوعب حياته العلمية والدينية.
فلما رأى الدكتور عبد العلي مقال الأستاذ محي الدين قصوري الذي طبع في مجلة التوحيد، وكان عنوانه «مجاهد الهند الأعظم»، وقد عرض فيه دعوة الإمام الشهيد وسيرته بأسلوب عصري وطريقة جديدة لأول مرة، فأشار على أخيه السيد الندوي أن ينقله إلى العربية، وكان من حكمته وحنكته بأمر النقل من العربية أن امره أن يقرأ قبل عملية الترجمة بعض كتب السير والتراجم الموثوق بها، والتي ألفت في أسلوب خفيف سلس فإن قراءة هذه الكتب وقيد التعبيرات الخاصة تفيده في كتابته، وتعينه في التعرف علي أساليب الأداء التي يحتاج إليها في كتابة التاريخ والتراجم، فقد قرأ السيد الندوي لهذا الغرض «الكامل» لابن الأثير.
ومن حسن حظه أن الله تعالي قد قيض له أخا عالما حكيما قد رباه على العلم والدين تربية صحيحة حكيمة.
وبعد ما نقل المقالة إلي العربية عرضها على العلامة تقي الدين فأعجبته، فاقترح المترجم الصغير في عمره أنه إذا أراد فيبعث بها إلي العلامة السيد رشيد رضا لينشرها في المنار ففرح السيد الندوي بهذا الاقتراح والتقدير.
يقول العلامة الندوي: بعث الأستاذ بترجمتي مع رسالة للتعريف بي، ولم يقتصر العلامة السيد رشيد رضا على نشرها فحسب بل كتب إلى الأستاذ الهلالي أن صاحب ذا المقال لو أحب أن ننشره في رسالة مستقلة لفعلنا… ولم يمض وقت كثير حتى جاءت تلك الرسالة من مصر بعنوان «ترجمة السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد»، وكنت قد نيفت على السادسة عشرة من عمري.(في مسيرة الحياة:1/ 99)
وفي هذه المدة كان العلامة الندوي يطالع المجلات التي كانت تأتي إلي أخيه الأكبر مثل مجلة «فتى العرب» التي كانت تصدر من دمشق، ومجلة «الجامعة الإسلامية» التي كانت تصدر من فلسطين.
وكذلك كان يستفيد من المجلات التي كانت تأتي إلى دار المطالعة لجمعية الإصلاح بدارالعلوم لندوة العلماء كـ«المنار» و«الهلال» و«المقتطف» و«مجلة الزهراء» وغيرها.
فتفتحت قريحته الأدبية، وتقدم تقدُّمًا باهرًا في التعرف علي الجديد من اللغات والتعابير الرائعة.
ويقول السيد الندوي: ورغم أنني كنت قد درست الكتب النهائية من الأدب العربي، إلا أنني كنت أجد شيئًا من الصعوبة في فهم هذه الصحف، وكان أخي يساعدني ويحل لي المشكلات، ويشرح التعبيرات والمصطلحات الجديدة، وهكذا قد رجعت إلي قراءتها من دون كلفة وعسر، وانتفعت بها في الإنشاء والتحرير، لأن الصحف– كما هو العهد بها– تحمل مادة منوعة مكررة. (في مسيرة الحياة:1/ 104)
احتل الأخ الأكبر له مكانة الأب الحنون والمربي الشفيق، وكانت تهمه كيفية تعلُّمه للعلم والتقدُّم في المراحل الدراسية، وفي أوائل عام 1927م قال أخوه الأكبر لوالدة السيد الندوي: سأذهب بعلي إلي لكهنؤ لأنه سوف يلتحق بجامعة لكهنؤ في صف دراسة الأدب العربي والسيد الندوي لم يتجاوز 14 سنة من عمره، وكما يقول السيد الندوي: هذا القرار كان منافيا لذوق الأخ الأكبر واتجاهه الشخصي، ولعله قد قرر ذلك بناء على رأي الأستاذ خليل وإصراره.
ولكن رغم التحاقي بالجامعة وحضوري في الفصل واصلت قراءتي علي الشيخ خليل أيضًا حسب السابق، وقد كان هذا الدرس في البيت أنفع وأجدي وأكثر غرسًا للذوق وقوة الفهم.(انظر: في مسيرة الحياة:1/ 86)
وهكذا تعلم العلامة الندوي العربية بأسلوب سهل تطبيقي تمكن من خلاله علي بعض المهارات الهامة، وهذه كانت نقطة انطلاق له نحو هدفه المنشود وهو بنفسه استفرغ وسعه في تلقي الدروس وممارسة الكتابة والقراءة، وحفظ ما تيسر له من النظم والنثر.
* * *