ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (1)

الفراغ الأكبر والعبقري المطلوب
18 يناير, 2026
أهمية الوقت في حياتنا
1 فبراير, 2026
الفراغ الأكبر والعبقري المطلوب
18 يناير, 2026
أهمية الوقت في حياتنا
1 فبراير, 2026

ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (1)

[كلمة ارتجلها فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي الرئيس العام لندوة العلماء في جلسة عقدت في 6/ مارس عام 2024م في قاعة الزواج ببوفال بعنوان” حركة ندوة العلماء وحركة رسالة الإنسانية”، وكان الحضور من خريجي ندوة العلماء وغيرهم، لافتًا، وكانت الكلمة حافلة، فننشرها في صحيفتنا “الرائد” بعد ترجمتها من الأردية بالعربية لإفادة القراء العرب. إدارة التحرير]
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ونبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فأعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ” فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون”.
أيها العلماءُ الأجلاء!
لقد قُرِّر لهذا الملتقى أن يُقسَّم إلى جلستين: الأولى للحديث عن حركة ندوة العلماء، والثانية للتحدُّث حول حركة رسالة الإنسانية، غير أنّ المتأمّل في حقيقة الأمر لا يلبث أن يدرك أنّ هذين العنوانين وإن اختلفا لفظًا وصورة، فإنّهما يتّحدان معنىً وحقيقة، فإني آثرتُ أن أجمع بين الحديثين في جلسة واحدة، لما بينهما من تلاحمٍ في الأصول، وتوافقٍ في الرسالة والمنهج.
وقد استفتحتُ حديثي بتلاوة هذه الآية الكريمة من كتاب الله العزيز، وهي آيةٌ جامعة، تُبيِّن معالم الرسالة العلمية والدعوية، وتضع بين أيدينا هدفين عظيمين من أهداف المدارس الإسلامية: أحدهما التفقّه في الدين، وهو الغوص على حقائقه، واستنباط معانيه، وتحصيل البصيرة بأحكامه ومقاصده في كل عصر ومصر، مرعاة لطبيعة العصر، والبيئة والنفسية للمخاطب، والثاني إنذارُ القوم، وهو إبلاغُ الحق، وتنبيه الغافلين، وتحذير الأمة من مزالق الزيغ والضلال، وإرشادها إلى الصراط المستقيم.
وفي الحقيقة أنّ حركةَ رسالةِ الإنسانية لم تكن وليدةَ فراغ، ولا فكرة طارئة وُلدت على عَجَل، وإنما كانت ثمرة ناضجة من ثمار حركة ندوة العلماء، وامتدادًا طبيعيًا لمسيرتها الفكرية، وتجسيدًا عمليًا لرسالتها الدعوية، ونتيجة حتمية لما بثّته في العقول من وعي، وفي القلوب من شعور بالمسؤولية، وفي النفوس من إيمان برسالة الإسلام تجاه الإنسان والحياة.
وقد قيّض الله تعالى لانطلاق هذه الحركة رجلاً من رجالات الفكر والدعوة والإصلاح، هو الإمام الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، الذي لم يكن مجرّد داعيةٍ ناطق باسم فكرة ندوة العلماء، بل كان روحَ هذه الفكرة، وضميرَها الحي، وقلبَها النابض، وصورتها المتحرّكة في واقع الحياة، فلا غرابة أن نقول: إنّه كان فكرَ ندوة العلماء مجسَّدًا، ورسالتها حيّةً تمشي على الأرض.
وإذا استعرضنا الأعمال الكبرى التي قام بها هذا الإمام – سواءٌ في رابطة الأدب الإسلامي، أو في مجلس التعليم الديني، أو في هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين في الهند، أو في حركة رسالة الإنسانية – وجدنا أنّها جميعًا تصدر عن منبعٍ واحد، وتلتقي عند غايةٍ واحدة، وتتحرّك في إطار رؤيةٍ واحدة، وإن اختلفت ميادينها، وتنوّعت وسائلها، وتعددت أشكالها، فهي كلّها حلقاتٌ في سلسلة واحدة، واستجاباتٌ واعية لضرورات الزمن، ومحاولاتٌ مخلصة لإنقاذ المسلم من التشتّت، وحماية وجوده من الذوبان، وصيانة رسالته من الضياع، وإسعاد الإنسان الذي يعاني من الشقاء والحرمان، فظهرت آثارها، وشهد الناس ثمارها، كلٌّ في مجاله، وعلى قدر ما تيسّر له من أسباب.
وإنّ من يتابع أحوال البلد، وما يمرّ به من تحوّلاتٍ فكرية، وتوتّراتٍ اجتماعية، وطائفية بغيضة، ليكاد يوقن أنّ الحاجة إلى حركة رسالة الإنسانية في هذا العصر أشدّ وألحّ مما كانت عليه يوم أطلقها الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي قبل نحو خمسين عامًا، يومئذٍ استغرب الناس هذه الحركة، وتساءلوا في دهشة: ما الداعي إلى هذه الحركة؟ بل اتّهمها بعض الناس – عن جهلٍ أو سوء فهم – بأنّها دعوةٌ إلى وحدة الأديان.
فأجاب الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي–رحمه الله– الذي كان يدرك –بفضل فراسته الإيمانية ودراسته العميقة للتاريخ– التحدّيات والأخطار التي تهدد كيان الأمة: إنّها ليست دعوةَ وحدةِ الأديان، ولكنّها دعوةُ وحدةِ الإنسان، ثم قال كلمة خرجت من قلبٍ بصير، واستقرّت في ضمير التاريخ: إنها عملٌ إن قمتم به حفظتم وجودكم، وصنتم مكانكم، وأمّا إن أهملتموه وتغافلتم عنه، فاعلموا أنّ الأرض التي تقفون عليها إنما تنزاح من تحت أقدامكم، وأنّ زلزالاً يتكوّن وأنتم عنه غافلون؛ فإذا وقع الزلزال ولم تكونوا قد أعددتُم أنفسكم له، أصبح وجودكم في هذا البلد مهدَّدًا، وإن خبراء الزلازل، يستشرفون الكارثة قبل وقوعها، ويتخذون تدابير وقائية في حينها، فتخفّ الخسائر، وربما تتحوّل المحنة إلى منحة، وهكذا كان الشيخ الندوي، رحمه الله، صاحبَ فراسة إيمانية وبصيرةٍ نافذة، يستشرف المستقبل من خلال دراسته لسنن التاريخ، فينبِّه وينذِرُ، ولا يغفل عن الأسباب، ولا يركن إلى الأحلام الخادعة والأماني الكاذبة.
فإن حركة رسالة الإنسانية التي أنشأها الشيخ الندوي مردها في الواقع إلى حركة ندوة العلماء وفكرتها.
ما هي حركة ندوة العلماء؟
مما يجب قبل كل شيء أن نعرف أنَّ حركةَ ندوةِ العلماء ليست مجرّدَ مؤسسةٍ تعليمية وتربوية، ولا اسمًا يُطلق على طائفة من الخريجين، وإنما هي فِكْرة متكاملة، ومنهجٌ واعٍ، ورؤيةٌ إصلاحيةٌ جامعة، وليس من الضروريّ، بل ليس من الصحيح، أن يكون كلُّ من تخرّج في ندوة العلماء حاملاً أمينًا لهذه الفكرة، أو ناطقًا صادقًا باسمها؛ فقد ينحرف المرء بعد التخرّج، أو تَجُرّه تياراتٌ فكريةٌ إلى غير منهجها، فيغدو بعيدًا عن روح هذه الحركة وإن انتسب إلى اسمها، وكذلك ليس بضروري أن يكون حاملُ هذه الفكرة من خرّيجي ندوة العلماء وحسب، فقد يكون المرءُ تخرَّج في مدرسةٍ أخرى، ثم يكون مع ذلك أوفى تمثيلاً لهذه الفكرة، وأصدقَ تعبيرًا عنها، إذا استوعبها فهمًا، وهضمها وعيًا، وتشربها روحًا، ولعلّ من خير مثال لذلك العلامة مناظر أحسن الكيلاني رحمه الله، فقد تخرَّج في دار العلوم ديوبند، غير أن المتأمّل في منهجه الفكري، وطريقته في النظر والتحليل، يدرك بوضوحٍ أنّ فكرة ندوة العلماء تتجلى في كتاباته، وتنعكس في منهجه، وتظهر في اتزانه بين الأصالة والمعاصرة.
ومن هنا يجب أن يزول هذا الوَهْمُ الشائعُ أنّ حامل فكرة ندوة العلماء لا يكون إلا من تخرّج فيها؛ بل الحقُّ أنّ حَمَلةَ هذه الفكرة قد يوجدون في خريجي مدارسَ أخرى، ممن درسوا فكر ندوة العلماء دراسة إمعان وتدبُّر ووعي، وسعَوا إلى فهمه واستيعابه، وهضموه هضمًا حسنًا.
وقد جاءت الفكرة التي قدّمتها ندوة العلماء، استجابة واعية لحاجة العصر، وضرورة فرضها الواقع العلمي والفكري والديني للأمة، وفي بداية هذه الحركة سعى القائمون عليها لإيصال هذا الفكر إلى خريجي المدارس الأخرى، وإلى مسؤولي المعاهد العلمية المتنوعة، رجاءَ أن تنتشر الفكرة، وتؤتي ثمارها في أوساط الأمة، غير أنّ التجربة دلّت، بعد حين، على أنّ هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق على وجه الكمال، ما لم تُنشأ دارُ علومٍ خاصة تُعِدّ وتُخرِّج رجالاً يتشرّبون هذا الفكر، ويُربَّون عليه أحسن تربية.
فالحقيقة أنّ حركة ندوة العلماء في أصلها فكرٌ متميز سليم لا يخص مؤسسةٍ بعينها، غير أنّ دار العلوم كانت قد أنشئت لإعداد رجالٍ يحملون هذا الفكر، ويملكون القدرة على توجيه الأمة، والقيام بواجب إنذار القوم، وتمثيل الإسلام خير تمثيل في سائر مجلات الحياة.
ولذلك كان طبيعيًا أن يكون خريجو دار العلوم من أصدق مَن مثّل هذا الفكر، وأوفى من عبّر عنه، لإنّ الغرض من إنشاء هذه الدار إنما كان صناعةَ رجالٍ لحمل الرسالة والفكرة التي تبنتها ندوة العلماء، وإعدادَ دعاةٍ للأمة بلغة العصر. (يتبع)