أمرني خليلي بسبع
18 يناير, 2026اغتنم خمسًا قبل خمس: توظيف المواهب واستثمار الحياة
عبد الرشيد الندوي
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ وهو يعظه:
«اغتنم خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبلَ هَرَمِك، وصحَّتَك قبلَ سَقَمِك، وغِناكَ قبلَ فقرِك، وفراغَك قبلَ شُغْلِك، وحياتَك قبلَ موتِك».
تخريج الحديث: أخرجه ابن أبي الدنيا في قِصَر الأمل (111)، والحاكم (7846)، والبيهقي في شُعب الإيمان (10248)، وله شاهد من حديث عمرو بن ميمون؛ أخرجه ابن المبارك في الزهد (2)، وابن أبي شيبة (35460)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (4/148).
شرح الحديث: إنه إرشادٌ وتوجيهٌ وتنبيهٌ يجمع المعنى كله في كلمةٍ واحدة: المبادرة قبل الفوات. فالإنسان في هذه الدنيا كالتاجر الذي عنده رأسُ مالٍ نفيس، فعليه أن يتصرّف فيه؛ فإن أحسن التصرّف ربح ربحًا عظيمًا، وإن أضاعه في صفقاتٍ تافهةٍ أفلس، ولا تنفعه الحسرة بعد ذلك. ووصفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر بالمغبون؛ فقال: نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ (أخرجه البخاري عن ابن عباس)، والغبن أن يُضيَّع النفيس، أو يُباع بالقليل، أو يُشترى الحقيرُ الخسيسُ بالثمين النفيس.
وهذه الخمس — الشباب، والصحة، والفراغ، والسَّعة، والحياة — رأسُ مالٍ واحد، يتناقص مع الزمن، وهي كشيءٍ نافعٍ سريع الزوال؛ إن لم يُستعمل في وقته ذهب بذاته. فالذي يتركه حتى يزول ثم يتحسّر عليه، مثله كبائع الثلج الذي يذوب قبل أن يبيع، هكذا تضيع النعم إذا لم تُستغل، ولا سبيل إلى استرجاعها.
ولا تُعرف قيمة هذه النعم عند وجودها، وإنما تُعرف عند فقدها، حين تضعف القوة، ويضيق الوقت، وتكثر الأعذار. وحينئذٍ يتمنى الإنسان لو أنه استعمل ما أُعطي فيما ينفعه ويقرّبه إلى الله، لكن الوقت قد فات.
وهذه النعم يمكن أن تكون طريقًا إلى رضا الله، وإلى الجنة، وإلى مراتب عالية، لكنها قد تتحوّل إلى غبنٍ وخسارة إذا صُرفت في الغفلة والتسويف. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: اغتنم؛ أي بادر قبل أن تنقضي الفرصة، فإن التأخير هنا ليس إلا تضييعًا، ومن لم ينتفع بما بين يديه اليوم عرف قيمته غدًا، حين لا ينفعه الندم.
* * *

