هل يعود العالم إلى عهد الظلام؟!

“إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ”
18 يناير, 2026
“إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ”
18 يناير, 2026

هل يعود العالم إلى عهد الظلام؟!

د. محمد وثيق الندوي
إن الخطوات العدوانية التي تتخذها أمريكا بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض وصايتها على العالم، والهيمنة على الحكومات المحلية، والإطاحة المباشرة بالحكام، وفرض الضرائب القاسية على كل من لا يخضع لإملاءاتها، والتدخُّل في الشؤون الداخلية للدول، واستخدام أساليب مختلفة لتغيير الأنظمة، من إثارة الاحتجاجات، ودعم المظاهرات، وتدبير حوداث عنف وإرهاب، وإحداث انقلابات عسكرية أو جماهيرية للإطاحة بالنظام الذي لا ترغب فيه، أو شن غارات على الدول التي لا تخضع لها، أو تهديد سلامتها، مبرِّرَةً موقفَها بذرائع متعددة من بينها حمايةُ المصالح الأمريكية، ومنعُ التهديدات المحتملة للأمن القومي، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، هذه الخطوات الطائشة تدل على أن العالم كأنه يعود إلى عهد الظلام والجاهلية حيث كان الأمن مفقودًا، والتناحر والتقاتل غالبًا، والعنف والعدوان سائدًا، وكان القويُّ يأكل الضعيف، ويضع السيفَ فيمن لا يرضخ أمامه.
يقول Robert Briffaualt وهو يصور أوروبا في عهد الظلام: ” لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلامًا وسوادًا، قد كانت همجية ذلك العهد أشد هولاً وأفظع من همجية العهد القديم، لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفَّنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقضى عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة، وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا وفرنسا، فريسة الدمار والفوضى والخراب”. (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص:45).
وكانت الدولة الرومانية الشرقية ازدادت فيها الأتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضلون على حكومتهم كل حكومة أجنبية، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات، وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام 532م في اضطراب واحد في عهد جيستن الأول ثلاثون ألف شخص في القسطنطينية – عاصمة المملكة – وأصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في التطرُّف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشية”. (السيرة النبوية للشيخ أبي الحسن الندوي، ص: 31)
وقد صوَّر مؤلفا كتاب ” الحضارة ماضيها وحاضرها” ما كان عليه المجتمع البيزنطي من التناقُض والاضطراب، والهيام بالتمتع والتسلية، وإن وصلت إلى حدِّ القسوة والهمجية، فيقولان: “كان هناك تناقُضٌ هائلٌ في الحياة الاجتماعية للبيزنطيين، فبينما كانت الرهبانية شائعة في طول البلاد وعرضها، كان الناس في جانب آخر حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضية واسعة تسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال، وبين الرجال والسباع أحيانًا أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين لـون أخضر ولون أزرق، وكانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجية، وكانت ألعابهم دموية ضارية أكثر الأحيان.
وكانت عقوباتُهم فظيعة تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف والمؤامرات والمجاملات الزائدة والقبائح والعادات السيئة”.(نفس المصدر، 31)
ويقول مؤرخ عن الإمبراطورية الإيرانية في العهد القديم: “انتهكت الأعراض، وعم خلع العذار، ونشأ جيل لا كرامة فيه ولا عمل، ولم يكن له رصيد ولا ماض مجيد، وليس له همّ بمصير الشعب، ولا إشفاق عليه، ولا يتصف بكمال ولا مهارة، كانت تسيطر عليهم اللامبالاة والبطالة، وكانوا بارعين في النميمة والخبث والافتراء والبهتان، وقد اتخذوا ذلك وسيلة لكسب القوت والوصول إلى الثروة والجاه”. (نفس المصدر، 34)
وكانت سورية – ولاية الإمبراطورية البيزنطية الأخرى – مطية المطامع الرومانية وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلا على القوة، ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيرًا ما كان السوريون يبيعون أبناءهم ليوفوا ما كانت عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق. (نفس المصدر، 32)
وكان العرب يقتتلون فيما بينهم لفترات طويلة لأمر تافه، كانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وتمثلها الجملة المأثورة: ” انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” وهانت عليهم إراقة الدماء، فتثيرها حادثة تافهة، وتدوم الحرب أربعين سنة، ويقتل فيها ألوف من الناس، وقد تفاقم غرامُهم بالحرب حتى صارت مسلاة لهم وملهى، يقول الشاعر العربي القطامي التغلبي:
وأحيانًا على بَكرٍ أخينا

إذا ما لم نَجِد إِلا أخانا

فهذا التصوير القاتم لعهد الظلام، تصويرٌ لهذا العصر المتحضر، وهذه النفسية الجاهلية –نفسية إراقة الدماء والهوس بالحكم– تنطبق على العالم اليوم، فإن ما يجري في مختلف أنحاء العالم اليوم من السباق في حيازة السلاح، والصراع الدامي بين القوى العالمية للسيطرة على العالم، وما يجري بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، أوما يحدث في غزة، أو ما يجري في إيران، والصومال، والسودان، وسوريا، وبنغله ديش، ونيبال، ودول أخرى، من عمليات دموية، وأعمال عنف وإرهاب، كلُّ ذلك يدل على أن العالم يعود إلى عهد الظلام، رغم تقدُّم العلم والحضارة، فكل قويٍّ يسعى للفتك بالضعيف، وتوسيع مساحة حكمه، والسيطرة على المراكز الحساسة والمواقع الاستراتيجية في العالم، والموانئ والممرات البحرية، والمناطق الزاخرة بمنابع البترول، والمعادن، والثروات الطبيعية، والموارد الزراعية، فالرغبة الجامحة في الهيمنة على العالم؛ بل الهوس بالحكم هو السبب الرئيسي للصراعات والحروب والاضطراب والقلق، من أوكرانيا إلى فنزويلا، وغرينلاند، وإلى التايوان، وشنغيانغ، كما تعمل أطماع استعمارية وراء ما يحدث في اليمن والسودان والصومال وسوريا، فكلُّ قوة عالمية تريد رضوخ الآخر، وتحقيق رغباتها وأهوائها على حساب الآخر، وأخيرًا ما ارتكبه ترامب من الهجوم على فنزويلا والقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مع زوجته، ثم تهديد إيران، أو دعم الحركة الاحتجاجية في إيران، وتهديد دول العالم العربية وغير العربية، يؤكد أن أمريكا دولة إرهابية، تمارس الإرهاب والعنف والبلطجية، كما أن بريطانيا وروسيا والصين وفرنسا متورطة في إراقة الدماء من أجل إحكام السيطرة على العالم، وتحقيق مصالحها وأهدافها الاستعمارية، فكلُّ دولة عالمية تسعى للهيمنة على العالم، وتحمل نزعة استبدادية واستعمارية رغم دعواها بأنها تحب الديمقراطية، وتدعم الحرية، وتسعى لصيانة الحقوق، وتحقيق السلام، وإقرار الأمن في العالم، فاستعمارٌ جديدٌ بثوبٍ جديدٍ، وبمسميات جديدة خادعة، وكأن العالم أصبح غابة تعيث فيها الذئاب الضواري، والوحوش، ليس فيها نظام ولا قانون، ولا سلطة، ولا إنسانية، ولا مروءة، ولا وفاء بالمواثيق والمعاهدات، ولا التزام بالقوانين، ولا نفوذ للمنظمات العالمية والمنابر الدولية ولا أثر، بل أصبحت مطية للقوى الاستعمارية، فهنا حاكم مستبد يريد أن يقود العالم بالعصا والترهيب، والحديد والنار، وتدبير مؤامرات لقلب النظام المعارض، ويحلم بالاستيلاء على العالم كله، ولذلك يخطط لشن غارات على مختلف الدول، ويهدد بالاغتيال كل من يحول في سبيله، كما فعل الإسكندر المقدوني وبوليوس قيصر في الماضي، وهتلر وموسوليني وجوزيف استالن وماوتسي تونغ وكيم أيل تونغ في العهد الأخير، ولكنهم ما حقَّقُوا؟ وكم عاشوا…. ؟ قد أصبحوا قصة من قصص التاريخ، وفيهم درس للمستبدين المعاصرين، لأن التاريخ خيرُ معلِّم، فيجب عليهم أن يرجعوا إليه قبل أن يتطوَّر الوضعُ إلى وقوع حرب عالمية ثالثة، تبدو بوادرُها من خلال التصعيد والتعزيز العسكري على مستوى العالم.
يتطلب العالم اليوم إيجادَ قوة بديلة عادلة عن الأنظمة المستبدة القائمة، تميِّز بين الخير والشر، وبين الظلم والعدل، ذلك مسئولية المسلمين لِكَونِهم أمة وسط، وكونهم شهداء على الناس، وكونهم أمة القيادة والهداية، لكن تأثير المصالح الشخصية والتربية المادية والنزاعات فيما بينهم تحول دون قيام هذه القوة والقيادة العادلة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي حيث يقول:
“لقد وقف العالم ـ نتيجة لقيادة الغرب – على فوهة بركان، مستعد للانفجار، أو على شفا جرف هار، ولا صلاح للعالم، ولا بقاء للإنسانية، ما دام الغرب في وضعه الحاضر، هو المهيمن على الحياة كلها، وهو مصدر التوجيه والإرادة في جميع القارات، فضلاً عن البلاد والحكومات كالدمل الممد في جسم الإنسانية السليم، وهو مردُّ كل قلق، وكل فوضى، وكل ثورة وانقلاب، في أقصى الشرق، وفي أبعد أطراف العالم الإسلامي، لا تثمر مع سيطرته جهود إصلاحية، ولا تبقى رغم إرادته ومصالحه حكومات صالحة، ولا نظام راشد، ولا أمل في السعادة، إلا في تحول القيادة والقوة من الغرب المادي الأناني الذي لم يعد قادرًا على إسعاد البشرية، ولا رغبة له فيه إلى من يحمل للعالم وللإنسانية روحًا جديدة، وتصميمًا جديدًا، ويعتبر نفسه مسئولاً عن ذلك أمام الله، ومكلفًا به من قِبَلِه، وهو المسلم الذي ينتظره العالم من جديد”.