كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (2)

كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (1)
30 ديسمبر, 2025
كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (1)
30 ديسمبر, 2025

كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (2)

الأستاذ عبد اللطيف، زاهدان
من ميزات منهجه المفضل والمبتكر:
إن الشيخ خليل رحمه الله، كان أستاذًا ماهرًا في فنه، وعارفًا بما يدرس، وقويًا في مهمته التي فوضت إليه، وكان ذا تجربة وحنكة ووعي بما يختار للطالب من مواد وكتب، وبصيرًا بتقديمها وتأخيرها في المنهج، وما يفيدهم في هذا الجانب الهام حيث مهد مناخًا صالحًا، وأعد منهجًا مبتكرًا وجديدًا لتلامذته.
وكان لمنهجه المفضل لديه تأثير كبير في تقدم الطالب وترقية مستواه الأدبي وتمكنه من الحصول علي العربية وكانت لهذا المنهج ميزات كما يذكرها تلميذه البارع العلامة السيد أبو الحسن الندوي.
“وقد سمي مدرسة الشيخ خليل التي كان أنشأها في بيته: «المدرسة غير النظامية»، وهي المدرسة التي أثمرت ثمارًا يانعة ويقول: وبفضل هذه المدرسة التي لم تعرف باسم ولا لافتة، ولم يكن فيها دفتر للتسجيل، ونظام للامتحان، والتي كانت لا تمنح الشهادات والألقاب للمتخرجين، انتشرت اللغة العربية في الهند كلغة حية للكتابة والنطق بها ونشأ الذوق الأدبي السليم. (نفس المصدر /75)
1. كانت من ميزات درس الشيخ خليل أنه كان يتلذذ بالألفاظ والتعابير الرائعة، ويبدي لنا ما يشعر به من لذة وحلاوة، حتي كانت تلك الكلمات والتعابير ترتسم في ذهننا، وتترسخ في ذاكرتنا وكنا نظن أن الالتذاذ بها والشعور بأهميتها مما لا بد منه.
2. وميزته الثانية أنه كان يخلق فينا الشعور بأن هذه الثروة اللغوية ليست ملكا لأحد، ولا هي كنز لا تصل إليه يد تلميذ متأخر زمانه، وإنما هي ملك مشاع يمتلكه كل من يقدر علي استخدامه علي وجه صحيح مناسب، وربما كان يبدي سروره وإعجابه بتعبير جميل أو مثل سائر، أو جملة نكتبها صحيحة علي دفتر الإنشاء، كأننا قمنا بعمل جليل يستحق التقدير والإعجاب، وكان يمنحنا جائزة في بعض الأحيان” (شخصيات وكتب/81)
وذكرت مرة في كتابتي هذا التعبير العربي «فلما سل سيف الصبح من سيف الظلام»، عرف الأستاذ أنني من أين اقتبستها وقد كنت قرأتها عنده قبل أيام، ففرح بهذا الاستعمال جدا وأعطاني جائزة. (مقدمة «المطالعة العربية»)
3. ومن ميزات هذا المنهج المفضل للتعليم كما أشار إليه العلامة الشيخ محمود شلتوت إن أسلوب الشيخ خليل الذي كان يتخذه للتعليم هو أنه كان يهتم بمادة واحدة وموضوع واحد للدراسة في وقت واحد، وبهذا الأسلوب كان الطالب في مأمن من كثرة المواد واختلاط الدروس المختلفة كما يشاهد في بقية المدارس والمعاهد التعليمية. (انظر: شخصيات وكتب /72)
يقول العلامة الندوي: وعلي هذا المنوال كنا نأخذ الدروس باستمرار في اللغة العربية، وكنا لم نشعر بأهمية وقيمة المنهج الذي كان يتبعه الشيخ في التدريس، ولكني أحسست فيما بعد أنه هو منهج مفضل مبني علي التجارب العلمية الطويلة، ويسفر عن نجاح كبير لا يحصل بطريقة أخري، فإنه كان لا يخلط بين لغتين، بل ومادتين مختلفتين في التعليم في وقت واحد.
فمنذ بداية دراستنا للغة العربية والأدب العربي حتي سنتين؛ عكفنا علي دراسة اللغة بما فيها قواعد الصرف والنحو وعلم الأدب مع ممارسة الكتابة والإنشاء، وكان ذلك نهاية أملنا ورأس مالنا. (شخصيات وكتب/ 82)
4. يقول العلامة الندوي: ولكن ما امتاز به الشيخ خليل عن غيره من الأساتذة، واكتسب به شهرة ومكانة عالية أينما حل وسار، هو ذوقه الفطري للغة والأدب، وملكته الفطرية للتدريس وجهده المتواصل والبحث والعناء الذي كان يتحمله، والذي تحدثنا صفحات التاريخ، وقلما نرى أمثاله في المؤسسات التعليمية ومراكز التربية والتعليم اليوم، زد إلي ذلك عطفه وحبه لتلاميذه كعطف الآباء على الأبناء، وحب الأمهات للأولاد، وصلاحيته المنقطعة النظير لنقل ما لديه من علوم ومعارف وذوق وبصيرة إلى الطلاب، وقدرته الفائقة التي قلما تحصل لأحد على تنمية الذوق السليم فيهم، وتحبيب الكتاب الذي كان يدرسه إليهم، حتى ينشأ فيهم حب للموضوع وتقدير للمؤلف. (نفس المصدر: 78–79)
5. ومن ميزات درسه أنه كان له شغف زائد بتعليمنا، فكان التدريس هو غاية أمله، وعملا يلائم طبيعته وذوقه، وكانت تبدو عليه ملامح السرور حينما كان يدرسنا، وكان لا يعفينا من الدرس ما عدا يوم الجمعة، ولا أدري كيف رضي بعطلة يوم الجمعة، ولا أتذكر عطلة يوم غير الجمعة. (نفس المصدر:85)
6. ويقول العلامة الندوي عن ميزات درسه أنه مضت أيام كثيرة، وأتذكر أني لم تأخذني سآمة ولا ضجر من درسه قط، لأن حديثه الممتع، وفكاهته الحلوة المشجعة، ورعايته وخفة روحه قد أزالت عني غربة اللغة الأجنبية، وصعوبة الكتب الدراسية. (نفس المصدر:80)
وهذه العناية التامة من أستاذه الناصح الشيخ خليل قد أثرت في نفسيته ومنهجه في التعليم، واتجاهه في الحياة، فلما وفقه الله تعالى للتدريس كان حريصا كل الحرص على تقدم طلابه ومتعلميه.
ويقول السيد: وكنت بطبعي ولتأثير ذلك الجو والبيئة أنست بطلاب الصفوف التي كنت أدرسها وألفتهم، وكان من الحب والثقة والعلاقة ما يشترط للإفادة والاستفادة، فكنت أحرص دائمًا على أن يتشربوا هذا العلم، ويتلقوا هذه العاطفة الجياشة للتطوع بالتعليم وصبغ الطلاب بصبغة العلم التي كنت ورثتها من أستاذي الشفوق الشيخ خليل التي كانت تجيش في الصدر، فلا قيود ولا التزام بالضوابط المدرسية، والأوقات التعليمية المحددة والمواعيد المقررة، والمكان المحدد، إنما هو شغف بتمرين الطلاب وتعليمهم العربية، نختار لها الطرق الحديثة، ونجرب لها التجارب الجديدة، ونخترع لها ما تسعفنا عقليتنا وتمدنا معلوماتنا. (في مسيرة الحياة 1/119)
يقول: لقد ابتليت أيام القراءة علي الشيخ خليل مرة بمحنة كانت في بادئ ‌الأمر هينة تافهة، ولكنها كانت ذات أثر حاسم في نجاحي في تحصيل اللغة العربية، وآدابها ودراستي للعلوم العربية، حدث أن شكا أستاذي في اللغة الإنجليزية وأخذ علي قلة الأدب معه، وكان ناشئًا عن سوء تفاهم، وكان الشيخ كبير الثقة به والتقدير له، وتأثر الشيخ بذلك، واستأذن أخي الأكبر أن يؤدبني علي ذلك، وقد كانت عنده حدة، فزاد هذا الحادث الطين بلة، واشتعل الشيخ غضبًا، وضربني علي ذلك ضربًا شديدًا موجعًا زاد علي حجم الخطأ والحادث، وأحس الشيخ فيما بعد أنه أفرط، وخرج عن حد الاعتدال، واعتذر إلي في ذلك.
ووصل الخبر بطريق من الطرق إلي الوالدة برائي بريلي، فسألتني وقالت: علمت أن الشيخ خليل ضربك ضربا تخطي الحد، فهل الخبر صحيح؟ ووفقني الله تعالي عند ذلك، فدافعت عن الشيخ، وأثبتُّ أن الحق كان معه في تأديبي وضربي، واطمأنت الوالدة، واستمرت دراستي، وأنا أعتقد أن هذا الموقف المشرف السعيد الذي كان نتيجة توفيق من الله تعالي ليس غير، لعب دورًا حاسمًا في مستقبلي فيما وفقت له من تذوق اللغة العربية وآدابها ومساهمة متواضعة في خدمة العلم والدين عن طريقها، فإنه لو كان الوضع بالعكس من ذلك، ودافعت عن نفسي، وبرأت ساحتي، واتهمت أستاذي ومربي بتخطي الحد المعقول في العقوبة والتأديب لكانت النتيجة بالعكس، وحرمت تعليمه وتدريسه، ونجاحي في اللغة العربية وآدابها، وذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. (نفس المصدر 1/79)
وقد اعترف السيد الندوي بتأثير مساعي الشيخ خليل في تعلمه العربية حيث يقول: وقد كنت بفضل تعليم الشيخ خليل وتربيته وتمرينه بدأت أتكلم بالعربية، فكان كلامي باللغة العربية عن حاجة أو لغير حاجة. (في مسيرة الحياة: 1/83)
وقد حفظت قسطًا كبيرًا من نماذج النثر التي كان يشتمل عليها مجموعات من النثر العربي، وبقيت آثارها عالقة بذهني واعتملت في تكوين ذوقي وامتزجت بكياني واصطبغت بها كتابتي.