مراتب الدعوة حسب مراتب الخلق

التربية بالقدوة الحسنة
18 يناير, 2026
عندما يُتهَم الإسلام… من المسؤول حقًّا؟
18 يناير, 2026
التربية بالقدوة الحسنة
18 يناير, 2026
عندما يُتهَم الإسلام… من المسؤول حقًّا؟
18 يناير, 2026

مراتب الدعوة حسب مراتب الخلق

إعداد وعرض: د. أبو سحبان روح القدس الندوي
في السنة العاشرة من الهجرة النبوية بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل (ت 18هـ) إلى اليمن داعيًا إلى عبادة الله، وأوصاه كي يُعدَّ معاذ نفسَه لمن يلقاه من أهل الكتاب، دخلت اليهودية أقطار اليمن قديمًا في زمن أسعد ذي كرب، ثم دخلها النصرانية أيام غلبة الأحباش عليها.
واليمن اسم البلاد المعروفة الواقعة في الجنوب الغربي من جزيرة العرب.
وقال له صلى الله عليه وسلم كالتوطئة لما يأتي: “إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب”، وفي رواية: “فإذا جئتهم”، “فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى….. الخ.
الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوجيد من صحيحه: باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله: 7372، وفي غيره من مواضع من صحيحه مفصلاً، وأخرجه آخرون من أصحاب الكتب الخمسة وغيرهم.
وهذا الحديث أصل من أصول الدعوة إلى الله، وبيان كاشف مراتب الدعوة حسب مراتب المدعوين.
أما قول الله سبحانه في سورة النحل: 125: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”، فهو أسّ لمراتب الدعوة حسب المدعوين، ومعناه: ليكن دعاؤك أيها المسلم الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة: أي كل أحد على حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده.
ومن الحكمة: الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين.
“فإن انقاد المدعو بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة وهو: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها.
وإما بذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به.
وإما بذكر ما أعدّ الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعدّ للعاصين من العقاب العاجل والآجل.
فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادَل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلاً ونقلاً.
ومن ذلك: الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود.
وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة ونحوها، “من إفادات العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيرة المسمى” تيسر الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان” (ص: 427، ط: ابن حزم، بيروت 2003م)
وقال ابن تيمية في كتابه “الرد على المنطقيين (ص: 468، ط: شرف الدين الكتبي، بومبئ 1949م)
“الإنسان له ثلاثة أحوال:
إما أن يعرف الحق ويعمل به.
وإما أن يعرفه ولا يعمل به.
وإما أن يجحده.
فصاحب الحال الأول: هو الذي يُدعى بالحكمة.
فإن الحكمة هي العلم بالحق والعمل به.
فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به، فيُدعون بالحكمة.
والثاني: من يعرف الحق، لكن تخالفه نفسه، فهذا يوعظ الموعظة الحسنة. فهاتان هما الطريقان: الحكمة والموعظة. وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا.
فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته. فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة وإلى الحكمة، فلابد من الدعوة بهذا وهذا.
وأما الجدل، فلا يُدعى به، بل هو من باب دفع الصائل. فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن. ولهذا قال: “وجادلهم” فجعله فعلاً مأمورًا به، مع قوله: أدعهم، فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن.
وقال في الجدال: بالتي هي أحسن، ولم يقل بالحسنة، كما قال في الموعظة، لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن، حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة، والموعظة لا تدافع، كما يدافع المجادل، فما دام الرجل قابلاً للحكمة أو الموعظة الحسنة، أو لهما جميعًا لم يحتج إلى مجادلة. فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن” 1هـ.
إذاً خلاصة القول فيما أفاد به ابن القيم تلميذ ابن تيمية قائلاً: “جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق:
فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه: يُدعى بطريق الحكمة.
والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يُدعى بالموعظة الحسنة، وهي: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
والمعاند الجاحد: يُجادل بالتي هي أحسن.
هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية”.
* * *