انتظروا الوقت الأمثل
30 ديسمبر, 2025العظماء لم يولدوا عظماء
1 فبراير, 2026ما هي التوبة الصادقة؟
محمد خالد الباندوي الندوي
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يظن كثير من الناس – أيها الأخ – أن التوبة تنحصر في الاستغفار وترك الذنب في المستقبل، ثم يمضي بعضهم كما كان غير مبال بما للتوبة من حقوق وواجبات، إن مثل هذه التوبة توبة ناقصة، إنما التوبة الصادقة المقبولة عند الله هي التي تحدث زلزلة في القلب، وتجبر النفس على مراجعة صادقة للماضي، ولا يكتمل صدقها إلا بمواجهة النفس والناس معا، التوبة الحقة هي التي تصلح ما أفسدته المعصية وترد الحقوق إلى أهلها وتفتح صفحة جديدة مع الله والخلق.
تعال نقص عليك قصة رائعة للتوبة قرأتها في القصص الأردية الإسلامية، وهي ترشدنا إلى أسلوب تربوي سلكه سلفنا الصالح لبيان المفاهيم الدينية والمقاصد التربوية.
“جاء رجل إلى حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى، وقد أثقلته الذنوب، فقال في خضوع: أريد أن أبايعك،فسأله الشيخ سؤال المربي الحكيم لا القاضي: ما عملك؟ قال بصراحة موجعة: كنت قاطعَ طريقٍ، أعتدي على أموال الناس، وقد جئت اليوم تائبًا إلى الله، لم يُعجّل الشيخ بقبوله، بل أراد أن يضعه على طريق التوبة الصحيحة، فقال: سنبايعك، ولكن –قبل ذلك –اكتب كل ما فعلت منذ أول يومٍ دخلت فيه هذا الطريق، كم سرقة سرقت، وكم بيتا نقبت،فصدق الرجل مع نفسه، وجلس أيامًا يستعرض ماضيه، حتى جمع كل ما استطاع تذكّره، ثم جاء بالقائمة إلى الشيخ،فقال له: الآن تبدأ التوبة الحقيقية؛ اذهب إلى أصحاب هذه الحقوق واحدًا واحدًا، وقل لهم: ظلمتكم في وقتٍ مضى، وقد تبت إلى الله، وحقّكم دَينٌ في ذمّتي. فإن عفوتم فذلك فضلٌ منكم، وإن أمهلتموني فذلك إحسان، وفي كل حال أسألكم الصفح عمّا أصابكم بسببي،فخرج الرجل، وقلبه ممتلئ بالصدق والانكسار، يطرق الأبواب، ويحدّث الناس حديث تائبٍ لا حديث محتال. ولا يعلم إلا الله كم كان في كلامه من إخلاص، حتى رقّت القلوب، وكتب الجميع: قد عفونا عنك لوجه الله، بل حتى رجلٌ غير مسلم كان قد سرقه، عفا عنه كذلك.
فلما عاد إلى الشيخ بتلك الشهادات، بايعه وقال: هذه هي التوبة الصادقة حقًّا.
استوحينا من هذه القصة الرائعة –أيها الأخ– أن التوبة ليست مجرد ندمٍ قلبي، بل مسؤولية أخلاقية، وموقف شجاع من الماضي،فما كان من الذنوب متعلقًا بحق الله، فبابه مفتوح بالاستغفار والإنابة، وما كان متعلقًا بحقوق العباد، فلا يُمحى إلا بردّ الحق أو طلب العفو، أو الإحسان والدعاء إن تعذّر اللقاء.
تلك هي التوبة التي تُحيي القلوب، وتُصلح المجتمع، وتفتح للعبد باب القبول عند الله تعالى.

