ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (2)

الاختبار المتكرر والاختبار المصيري
7 مارس, 2026
إصلاح ذات البين
7 مارس, 2026
الاختبار المتكرر والاختبار المصيري
7 مارس, 2026
إصلاح ذات البين
7 مارس, 2026

ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (2)

فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
نوابغ العلمِ ومهرة الفن:
لِمُؤسِّسي حركةِ ندوةِ العلماء، وللأساتذةِ الأعلام الذين قاموا بالتدريس في دارِ العلوم لندوة العلماء إبَّانَ بواكيرِ نشأتِها، تاريخٌ حافلٌ بالمآثرِ العلمية، والإنتاجات الفكرية، والأعمال الدعوية، ولا شك في أنّ أولئك المعلمين كانوا من أساطين العلم والفن، ورُوَّاد الفكر والدعوة، بل فيهم من نهضوا بالأمة نهوضَ القادة، وقادوا حركات علمية وفكرية عامرة، فتبوَّأوا في مجالاتهم مقامَ الإمامة والتوجيه.
وممن تقلَّدوا التدريسَ في دار العلوم لندوة العلماء، العلامة الشيخ عبد الشكور الفاروقي رحمه الله، والعالم الكبير الشيخ السيِّد أمير علي –رحمه الله– الذي كان علمًا مشهودًا له بالمكانةِ الراسخة في الأوساطِ العلمية، وكذلك نهض بأعباءِ التدريس العالم الجليل الشيخ فاروق الشِّرياكوتي شيخُ العلامةِ شبلي النعماني، وقد استقدمه إلى ندوة العلماء العلامةُ شبلي بنفسه، لما رآه فيه من رسوخٍ في العلم، وبراعةٍ في الفهم، وأصالةٍ في المنهج.
وكان في جملة هؤلاء النوابغ جماعة من كبار الأساتذة، استقرَّ في الأذهان أنّهم يمثلون فكرِة ندوة العلماء ومنهجها أصدق تمثيل، ولهم قدرة فائقة على إعداد طلاب يتزودون بهذه الفكرة السليمة الجامعة، ويمثلونها تمثيلاً تامًّا، ويجمعون بين أصالةِ التراث، وسعةِ الأفق، وسلامةِ المنهج، وأولئك الأساتذة هم الذين حازوا الأهلية العلمية والملكة التربوية لتخريجِ هذا الصنف من العلماء، وصياغةِ النموذجِ الذي توخته ندوة العلماء، وعلَّقت به آمالها.
النموذجُ الأمثل لندوةِ العلماء:
ولمّا أثمرت جهودُ المؤسِّسين والأساتذة الأوائل، وتخرَّجت أوَّلُ دفعةٍ من ندوةِ العلماء، كان المتقدِّمُ عليهم قَدْرًا، والمتميّز بينهم منزلة، العلامةُ السيِّدُ سليمان الندوي الذي غَدَا في شخصه ترجمانَ فكرِة ندوة العلماء، وصورة ناطقة بمقاصدها، ومثالاً حيًّا صادقًا لما أرادته من إعداد العلماء الجامعين بين العلم، والبصيرة، والرسالة، والأصالة، والمعاصرة، إنه لُقَّب بـ«سيِّد الطائفة» ولا ريب ولا مراء في أنّه إذا كان في الأسرةِ الندوية من تبوَّأ الذروة العُليا، ونال شرفَ الإمامة والريادة، فإنما هو حضرةُ العلامة السيِّد بعينه، وقد كتب سماحة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي –رحمه الله– فيقول: «مرَّةً كنتُ أصعد درجات دارِ العلوم، وكان السيِّدُ ينزل من أعلاها، فالتقينا في الطريق، فأخذ بيدي وقال: يا عزيزي! إنّ لكلِّ مؤسسةٍ شخصياتٍ مثالية، أو شخصية ممتازة تكون نموذجًا يُحتذى بها، فلابد أن يكون لندوة العلماء أيضًا نموذجٌ من هذا الطراز، لينتفع به طلابها.
ثم قال: قد يكون من بين هذه الشخصيات الشيخ محمد علي المونغيري، والعلامة شبلي النعماني، والشيخ حبيب الرحمن خان الشرواني، غير أنّ رأيي أنّ أكثرهم اعتدالاً وتوازُنًا هو العلامة الشريف عبد الحي الحسني، فهو الأجدر بأن يكون الشخصيةَ الممثِّلةَ لهذا الصرح العملي».
وقد كانت هذه الكلمة التي قالها العلامة السيِّد كلمة عجيبة؛ إذ هو نفسُه الخليفةُ العلميُّ للعلامةِ شبلي النعماني، بل نستطيع أن نقول: إنّه وارثُ أسلوبه إلى حدٍّ بعيد، بل أذهبُ إلى أبعد من ذلك فأقول: إنّ العلامة السيِّد سليمان الندوي قد فاق أستاذه العلامة شبلي النعماني، فإن كان العلامة شبلي إمامًا في الأسلوب، وأستاذًا في اللغة والأدب والتاريخ، فإنّ العلامة السيِّد يمتاز عنه بسعةِ التنوع، والجامعية، ولا سيما في عمقِ دراسته لعلوم الشريعة، وأعتقد أنّ العثورَ في الهند على رجلٍ في منزلته أمرٌ صعب؛ فكم من متخصِّصٍ في فنٍّ واحدٍ يمكن أن يُوجد، ولكنّ ميزةَ العلامة السيِّد، وسرَّ تميُّزه وتفرُّده، هو أنّ الله تبارك وتعالى جمع له كمالات، ووهبه إحاطة بالعلوم والفنون، ولا سيما علوم الشريعة، حتى أعطاه فيها منزلة رفيعة.
وقد اشتهرت كلمةٌ للعلامة محمد إقبال قالها في حقِّ العلامة السيِّد، وإن كانت شخصيةُ العلامة السيِّد في ذاتها كافية عن كل شهادة، ولا تُعدُّ شهادةُ إقبال في حقه شهادة حاسمة؛ لأنّ إقبال ليس من رجال علوم الشريعة، غير أنّه رجلٌ واسعُ الأفق، عميقُ الفكر، نافذُ البصيرة في دراسة الإسلام، وقد عبَّر عن ذلك في شعره أصدق تعبير، فقد كتب عنه في رسالة له: «من يمكن أن يكون في الهند اليوم ذلك النابغة الذي سَبَرَ علوم الشريعة واللغة على السواء إلا العلامة سيد سليمان الندوي؟!»
والحقُّ أنّ أوَّلَ جماعةٍ تكوَّنت حاملة لفكرِة ندوة العلماء، أو ممثِّلة لرسالتها ودعوتها ومنهجها، كان على رأسها العلامة السيِّد سليمان الندوي، وتلك جامعيتُه التي قلَّ أن يوجد لها نظير في شخصيةٍ أخرى.
من أعلام الندوة الآخرين:
وبعد العلامة السيِّد سليمان الندوي، كانت للعلامة الأستاذ عبد الباري الندوي مكانة سامية، والواقعُ أنّه كان من أبرز الممثلين لفكرة ندوة العلماء، وقد اشتهر عنه أنّه حين عُيِّن أستاذًا للفلسفة في “جامعة عثمانية” بحيدرآباد، لم تكن لديه شهادةٌ رسميةٌ، فلمّا أُثير السؤال: كيف يُعيَّن أستاذًا للفلسفة من لا يحمل شهادة؟ أجيب: «يا ترى! لقد أسلمت الفلسفةُ على يديه».
ومن طريف ما يُروى عنه أنّه كان يدرِّس في أحد الفصول، فدخل وفدٌ من الإنجليز للتفتيش والتقويم، فقال بثقة واطمئنان: «أغلقوا الباب، فقد أدّيتُ امتحاني في ندوة العلماء مرة، ولا أستطيع أن يُعاد امتحاني مرة أخرى»، فوقع كلامه في نفوسهم موقعَ الهيبة، وانصرفوا من فورهم.
ومن أعجب ما يُروى في هذا السياق أنّ هذين العلمين الجليلين من أبناء ندوة العلماء، قد شاء الله تعالى أن يربطهما في مرحلة لاحقة من حياتهما العلمية والروحية بالعالم الرباني الشيخ أشرف علي التهانوي الملقب بـ”حكيم الأمة” –رحمه الله، ولمّا تمّ هذا الاتصال، ثار في بعض المتخرجين في ندوة العلماء – ممّن كانوا من خاصّة المتصلين بالسيد، ومن المقرّين بفضله، المعترفين بسعة علمه وعمق فكره – نوعٌ من الاستغراب، بل الاعتراض، فقالوا: ما بالُ السيد؟ ما الذي جرى له حتى قصد رجلاً صوفيًا زاهدًا؟ أكان علمُه ناقصًا؟ أم كانت تحقيقاته قاصرة؟ أم لم تكن شخصيتُه العلمية جامعة مانعة……؟.
فكان جوابُ العلامة السيد – وهو جوابُ العالم الواثق، والعاقل البصير – أن قال: عجبًا لهؤلاء الناس! من جهة يصفونني بالحكمة والعقل، ومن جهة أخرى يعاملونني معاملة السُّذّج! إن كنتُ سفيهًا فأنا كذلك من قبل، وإن كنتُ قد اخترتُ الاستفادة من رجلٍ بعينه، فهل يعني ذلك أنّ علمي قد نقص، أو أنّ بصيرتي قد خمدت؟! إنما فعلتُ ما فعلتُ عن روية وبصيرة، وعن فكرٍ وتدبّر.
وكانت ثمرة هذا الاتصال المبارك أن رفع الله تعالى مكانة العلامة السيد رفعًا عجيبًا، وأفاض على علمه بركة وقبولا، فاتّسعت دائرتُه، وازدادت شخصيتُه شمولاً وعمقًا، ولم تمضِ مدةٌ قصيرةٌ على اتصاله بالعالم الرباني الجليل الشيخ أشرف علي التهانوي، حتى أجازه وأذِن له، فدارت الألسنة، وكثرت الهمسات: كيف جاء هذا الرجل منذ زمنٍ قريب، ثم نال الإجازة والخلافة بهذه السرعة؟
فأجاب الشيخ التهانوي – وهو جواب الحكيم العارف بطبائع النفوس –: كانت الخشبة يابسة، فما إن مسّتها شرارةٌ من النار حتى اشتعلت؛ وكانت تلك الشرارةُ شرارة العشق الإلهي.
سائر أبناء ندوة العلماء:
ومن أبناء ندوة العلماء الأعلام الشيخ عبد السلام الندوي رحمه الله، وهو من كبار رجالاتها، وأحد أعلامها في مجال التأليف والبحث، له مصنّفاتٌ كثيرة، وجهودٌ مشهودة، ولا سيما في مجال التاريخ، وفي خدمة الشعر والأدب، حيث خلّف آثارًا ذات قيمة علمية وأدبية عالية، وقد أفنى جُلَّ عمره في دار المصنّفين بأعظم جراه، وبذل فيه خلاصة جهده وطاقته، حتى غدا اسمُه عَلَمًا في هذا المجال.
وهؤلاء إنما هم نماذجُ بارزة، وإلا فالقافلةُ طويلة، والسلسلةُ ممتدّة، والمجرة متلالئة بالنجوم الطوالع، فإنَّ على خريجي ندوة العلماء دَيْنًا علميًّا وأدبيًّا لابدّ من أدائه، وهو أن يقوموا بدراسة حياة أعلام ندوة العلماء، وكبار مصنّفيها، دراسة منهجية موثّقة، ليعرف الجيل الجديد قدرَ هؤلاء الرجال ومكانتهم، وتُبعث آثارُهم من جديد، وتُقدَّم للأمة في صورتها الجذابة اللائقة، لتظلّ منارات للهداية، ومصادر للإلهام.
عهد الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي:
وأمّا الدور الثاني من أدوار ندوة العلماء، فإنّ قائدَ ركبِه، وأميرَ قافلتِه، هو سماحة المفكر الإسلامي العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، فقد وفّقه الله تعالى لأن يكون الترجمانَ الصادقَ لفكرة ندوة العلماء، وأتاح له أن ينتفع بها غايةَ الانتفاع؛ فتلقّى فيها تعليمه، وتتلمذ على كبار أساتذتها، ثم ارتحل إلى مواطنَ شتّى، ذهب إلى دار العلوم ديوبند، وزار الشيخ أحمد علي اللاهوري ومكث عنده وقتًا يستفيد من علمه، واتصل بالعالم الرباني الكبير الشاه عبد القادر الرائيبوري اتصال بيعة واسترشاد، واتصل بحركة الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي الدعوية، واجتمع بالعلامة محمد إقبال، وكانت له صلاتٌ ومراسلاتٌ مع العلامة المودودي.
غير أنّ الله تعالى قد آتاه قوّة الفكر، ورسوخ النظر، فكان يأخذ من كلّ موضعٍ ما رآه صالحًا نافعًا له، من غير أن يذوب في فكرٍ أو ينصهر في حركةٍ حتى يصير جزءًا منها، وكان ذلك ثمرة ظاهرة لفكرة ندوة العلماء؛ إذ به وفّقه الله إلى جمع المحاسن، وانتقاء الفضائل، من غير إفراط ولا تفريط، ولهذا كان المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله يسمّيه بـ: «مجموع الحسنات» كما كتب العالم الرباني الشيخ أشرف علي التهانوي – مع ما عُرف به من شدّة الاحتياط والتحفّظ – في رسالةٍ وجّهها إليه، وكان عمرُه يومئذٍ قريبًا من العشرين، يصفه بـ«مجمع الكمالات».
وهنا ينشأ سؤال: لِمَ كتب العلامة التهانوي مثلَ هذه الكلمات العالية؟ والواضح أنّ ذلك لم يكن إلا ثمرة من ثمار فكرة ندوة العلماء.
فإنّ ما ناله سماحة العلامة الندوي من نضجٍ فكري، وتوازنٍ علمي، من خلال التلقي في ندوة العلماء وأساتذتها، جعله حيثما حلّ لا يذوب، بل يختار، ولا يقلّد، بل ينتقي، وقد كتب هو نفسه في موضعٍ معبّرًا عن ذلك: «ما حملتُ إلى عُشّي إلا ما اخترتُه بقلب، وما أخذتُ إلا ما احتجتُ إليه».
وكان من شأنه أنّه إذا دخل بيئة أو خالط مدرسة، لم يأخذ منها إلا ما تدعو إليه الحاجة، فازدانت بذلك باقةُ فكرة ندوة العلماء، وتزيَّن إكليلُها، فقد أعدَّ السيّدُ سليمان الندوي رحمه الله باقة بهيّة، ثم جاء الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي فأضاف إليها أزهارًا أخرى، حتى صارت باقة غنّاء، فاح شذاها في أرجاء العالم، وبلغت رائحتُها الطيبة العالمَ العربي، والعالمَ الغربي، وتعطّرت بها مشامُّ القلوب في كبريات بلاد العالم.
* * *