شهر الصيام كله خير
7 مارس, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (2)
7 مارس, 2026الاختبار المتكرر والاختبار المصيري
خليل أحمد الحسني الندوي
انتهت السنة الدراسية في مدارس الهند، وأجريت الاختبارات، وظهرت النتائج؛ فكانت سببًا للسرور والبهجة في قلوب بعض الطلبة، ومصدرًا للحزن والأسى في قلوب آخرين، وكما هي عادة الطلبة وطبيعة البشر، نرى الفاشلين يلومون أنفسهم، ويكثرون من التحسر والندم، غير أن الزمن الذي مضى لا يعود، والخيبة لا تنقلب نجاحًا بعد ظهور النتائج.
وفي الجانب الآخر، يفرح الناجحون ويبتهجون بما حققوه من فوز ونجاح، بعد جهد وصبر، وهذا الاختبار الذي يواجهه الطلبة في مراحلهم الدراسية يتكرر مرة بعد مرة، وتتجدد فرصه، وقد يكتب للطالب الذي فشل هذا العام أن ينجح في العام القادم، فيستدرك ما فاته، ويعوض عما قصر فيه؛ فالسنة تتكرر، والامتحان يتجدد.
غير أن هذه المشاهد كلها تذكرنا باختبار أعظم، اختبار لا يتكرر، ولا تتاح بعده فرصة للاستدراك، اختبارٍ نتائجه إما فوز أبدي أو خسران مستمر، فهناك الألم شديد، والحزن دائم، والعذاب مستمر، ويتمنى الفاشل لو يفتدي نفسه بكل ما يملك في الدنيا، ولكن هيهات؛ يقول الله عز وجل: “يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ”، ثم يأتي الرد الإلهي الحاسم: “كَلَّا”.
ويتمنى ذلك الفاشل أن يعاد إلى الدنيا ليعمل صالحًا، فيقول: “رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ”، لكن أمنيته لا تتحقق، حتى يتمنى أن يكون ترابًا، ولا يكون له ذلك.
فالكَيس من أدرك حقيقة هذا الاختبار المصيري، واستعد له قبل فوات الأوان؛ فهو الذي يستبشر ويبتهج حين يلقى ربه، فيبشر بمغفرة ورضوان، وجنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا الاختبار الأخير اختبار مكشوف؛ إذ قد بين الله عز وجل في كتابه، وبين نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، ما يرضي الله من الأعمال، وما يسخطه، فكانت الهداية واضحة، والطريق مُعبَّدا.
أما اختبار الدنيا المتجدد، فلا يعلم الطالب فيه ما الذي سيسأله المعلم، ولا كيف تكون الأسئلة، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكَيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني».
فالكَيس يفرح ويفوز كما يفرح الناجح في اختبار السنة النهائية، والعاجز يندم ويتحسر كما يندم الفاشل بعد ظهور النتائج.
وإذا تأملنا أحوال الطلبة وجدناهم أصنافا شتى: منهم من يجتهد منذ بداية السنة، ويبذل قصارى جهده، فينال الهدف والغاية، ومنهم من يقصر في البداية، ثم حين يرى جد غيره واجتهادهم، يستدرك ما فاته، ويعكف على دراسته بجد، فيدرك النجاح، ومنهم من لا يهتم لا في أول السنة ولا في وسطها، ثم يعلق آماله على التمني في نهايتها، والتمني – كما رأينا – لا يُغني ولا ينفع.
وكذلك هي الحياة، فطوبى لمن عمل، وخسر من اكتفى بالأماني.

