الفضائل ومالها من تأثير وقوة
7 مارس, 2026شهر الصيام كله خير
7 مارس, 2026شهر رمضان دورة التزكية والتربية السنوية
الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
أظلنا شهر رمضان المبارك، وهو شهر يحمل إلى أتباعه كل سنة معاني عظيمة من تهذيب النفس، وتربية الخلق الإنساني، يستطيع به الرجل أن يهتدي إلى ما يقع عليه من مسؤلية لحمل أعباء الرسالة الإنسانية القوية الرفيعة، وإيجاد مجتمع تعمّ فيه أسمى معاني الخلق والبر والإحسان.
هذا الشهر في نفس الوقت دورة التربية السنوية، والتدريب السنوي لترويض النفس على التحلي بخصائص الإنسان الفاضل النبيل، ونستطيع بها أن نستفيد في تربية خلقنا الذي زال عنه رونقه، وضاعت صلابته، وأصبحت بذلك قيمتنا التاريخية الجليلة حبرًا على الورق، أو وديعة فى صفحات التاريخ؛ وبلغت بنا الصفاقة والكسل إلى أننا أصبحنا ننام على العار الذي يلحق بنا مرة بعد مرة، ونصبر على الهوان الذي كان أسلافنا يرفضونه، وإن كان هذا الرفض على حساب بقائهم في الحياة، فقد قال شاعرهم:
ولست بمبتاع الحياة بذلة
ولا مرتق من خشية الموت سلّما
ولكننا نشتري الحياة ولذة العيش مهما كانت مقرونة بالذلة، والهوان، ونطلب كل سلّم يمكن الصعود والارتقاء إليه خشية من الموت.
وذلك لأننا نرى إلى التعب والمشقة من ناحية أنهما مجرد عنوان للحرمان من المتعة والراحة، ومادام الأمر يكون كذلك فما حاجتنا إلى ذلك، ولماذا لا نحاول التوقي منه، إننا لا نرى إلى التعب والمشقة من ناحية أنهما يرفعان معنوية الإنسان، ويرفعان مستواه في الرجولة والقوة والجلادة في الوقت الذي يجد فيه الإنسان نفسه أحوج إلى التحلي بهما، لأنها خصائص لا يمكن لأي مجتمع ولا شعب أن يذب عن حوزته، ويدافع عن حماه بغير أن تتحلى نفسه بهذه الخصائص.
ويدلنا تاريخ الإنسان وتاريخ المسلمين وتاريخ العرب كذلك على أن الأفراد والمجموعات البشرية ما دامت متمسكة بالاستعداد والرضا لتحمل المشاق، وما دامت متدربة على احتمال الصعوبات، دامت قوية صامدة وإن كانت في قلة، وكان عددها في كثرة، وعلى ذلك سلك الصحابة رضي الله عنهم وأسلافنا الكرماء، وذلك لا يحمل لنا نفعًا دينيًا فقط، بل إنما يحمل نفعًا دنيويًا وماديًا كبيرًا أيضًا، وأراها سنة الله خالق الكون لهذا الكون ولا تجد لسنة الله تبديلاً.
وأرى أن هذا الشهر المبارك يحمل أيضًا إشارات واضحة قوية إلى هذه الناحية، فإنه يزورنا كل عام، يطلب منا أن نخلع عن أنفسنا لمدة معينة من الزمن في كل عام هذه الحياة الرفاهية التي نعيش بوجه عام، وأن نلزم على أنفسنا في هذه المدة المعينة حياة الشظف، والقسوة، والحرمان، كأننا ذلك الذهب الذي يدخل في النار ليخرج منها طيبًا خالصًا يزهر ويلمع، وتكون قيمته في السوق أرفع قيمة.
أليس لنا أن نتلقى من شهر رمضان المبارك هذا الدرس المفيد، ونزكي أنفسنا من كل ناحية من نواحي الحياة؟.
* * *

