اغتنم خمسًا قبل خمس: توظيف المواهب واستثمار الحياة
1 فبراير, 2026مبادئ الثبات والنجاة: التقوى والطاعة والسنة
عبد الرشيد الندوي
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلاةَ الصبح، فوعظنا موعظةً بليغةً ذرفتْ منها العيونُ، ووجلتْ منها القلوبُ، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، كأنها موعظةُ مودِّعٍ، فأوصِنا.
قال: «أوصيكم بتقوى اللهِ، والسمعِ والطاعةِ، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ، فإن كلَّ بدعةٍ ضلالة».
تخريج الحديث: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (44)، وأحمد (17144)، والبغوي في «شرح السنة» (1/205).
شرح الحديث: الوعظ هو التذكير المقترن بالترغيب والترهيب، وقوله «موعظة بليغة» أي بالغة الغاية في التأثير، جامعة للمعاني، واصلة إلى القلوب من غير إطالة ولا تكلّف، وقوله «ذرفت منها العيون» كناية عن شدة التأثر، وقوله «وجلت منها القلوب» أي خافت وانكسرت لما سمعته من الحق.
وقولهم «كأنها موعظة مودّع» يدل على فطنة الصحابة، إذ فهموا من قوة الأسلوب، وجمع الأصول، وقلة التفصيل، أنها وصية جامعة لمن يوشك أن يفارق، فطلبوا الوصية طلب من يريد الزاد الدائم لا العارض.
فقوله «أوصيكم بتقوى الله» التقوى اسم جامع لفعل المأمور وترك المحظور، وهي مراقبة الله في السر والعلن، وضبط الظاهر والباطن على أمره، فجعلها أصل الوصايا لأنها ميزان الأعمال كلها.
وقوله «والسمع والطاعة» أي لولاة الأمر في المعروف، لما في ذلك من انتظام أمر الدين والدنيا، وسد باب الفوضى والاختلاف، وقوله «وإن كان عبدًا حبشيًّا» المراد به نفي الاعتبار بالنسب واللون والمنصب، وإثبات أن الطاعة إنما تعلّقت بالولاية لا بالشخص.
وقوله «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا» إخبار بوقوع التفرّق في الآراء والمناهج والأهواء، وأنه اختلاف متنوع متشعب، لا يقتصر على مسألة دون مسألة، ولا زمان دون زمان.
وقوله «فعليكم بسنتي» أي الزموا طريقتي في الاعتقاد والقول والعمل، وقوله «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» أي طريقتهم العملية في تنزيل السنة وحراسة الدين وسياسة الأمة بها، فجمع بين الأصل والتطبيق.
وقوله «تمسكوا بها» أي الزموها لزومًا دائمًا، وقوله «وعضّوا عليها بالنواجذ» تصوير لشدة الثبات وعدم التفريط، كمن يتمسك بشيء خوف السقوط والهلاك.
وقوله «وإياكم ومحدثات الأمور» تحذير من كل ما أُدخل في الدين مما ليس منه، سواء في الاعتقاد أو العبادة أو المنهج، وقوله «فإن كل بدعة ضلالة» حكم كليّ، يردّ كل محدث إلى ميزان الشرع، فما لم يشهد له أصل صحيح فهو مردود، وإن استحسنه الناس أو كثر فاعلوه.
فالحديث جمع أصول النجاة عند الفتن: تقوى تضبط الباطن، وطاعة تحفظ الجماعة، وسنة تهدي عند الاختلاف، وتحذير يقطع مادة الابتداع.

