العظماء لم يولدوا عظماء
1 فبراير, 2026حين ينزل القرآن في القلب
محمد خالد الباندوي الندوي
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الإنسان – أيها الأخ – رهين أمر الله سبحانه، وخاضع لإرادته المطلقة، فهو الذي يهدي التائه إلى الصراط السوي، ويبين للضال سبيل الرشاد، فلابد أن يكون واضحا لكل ذي عينين أن الهداية من عند الله سبحانه، فكم من غارق في الشهوات استفاق من غوايته لأنه سنحت له فرصة الاغتنام بلحظة واحدة غيرت مسار الحياة، وجعلته مندفعا إلى السعادة الدائمة، وسباقا إلى الخير والبركات العميمة، حتى عد من عباده الصالحين الأبرار.
وكم من متعبد في صومعته يقضي ليلته متضرعا إليه غلبت عليه النزعة الشيطانية فانحرف عن الجادة المستقيمة وخلع ربقة العبودية وعد من الفساق المتمردين، وإليك قصة ممتعة رائعة لقاطع طريق كان يعرف فيما بين الناس بالسرقة والنهب وأخذ مال الآخر بغير حق، لكن شاءت مشية الله أن توفر له فرصة الرجوع إلى الرشاد، ولحظة الانصراف عما كان عليه من الغواية إلى الإنابة المخلصة:
“كان الفضيل شابا قويا ذكيا، لكنه انحرف في بداية حياته، حتى اشتهر بقطع الطريق. لم يكن جاهلًا، ولا ضعيف العقل، وإنما ضل الوجهة الرشيدة. وفي إحدى الليالي، خرج كعادته يريد معصية، فتسلق جدار بيت يريد الدخول إليه، فسمع من داخل البيت رجلا يقرأ قول الله تعالى: “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ” [الحديد: 16]
يقول الفضيل: فوقعت الآية في قلبي كأنها نزلت الساعة، توقّف، وكأن القرآن يخاطبه وحده: ألم يأنِ لك يا فضيل أن تعود؟ ألم يأنِ لك أن تعرف نفسك وربك؟ ألم يأنِ لك أن تترك هذا الطريق؟ نزل من على الجدار وهو يرتجف، وقال: بلى يا رب، قد آن، كانت تلك اللحظة بداية التحول، لا بخطبة طويلة، ولا بنقاش فلسفي، بل بآية واحدة فهمها، فغيّرت مسار حياته. تحول الفضيل من شاب ضائع إلى عابد زاهد، ومن قاطع طريق إلى إمام من أئمة الهدى، يبكي إذا قرأ القرآن، ويُبكي غيره، ويقول: إنما يريد الله منا القلوب، لا كثرة الأعمال”.
استوحينامن خلال قصة الفضيل بن عياض –أيها الأخ– أن الهداية ليست حكرا على أحد دون أحد، وأن الفضل لا يختص بشخص دون شخص، كما يرشدنا أن الذنب ليس نهاية الطريق، وإنماالفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، وإنما العبرة بخواتيم الأعمال وصدق الرجوع إلى الله، فمن خالطت قلبه بشاشة الإنابة ولامسته حلاوة المعرفة قد يجد في لحظة ما لايجده الزهاد في مدة طويلة، وقد تصنع المعرفة الربانية ما لا تصنعه سنون من الجدل والنقاش، وقد نشعرأن قلوبنا توجل من كلام رقيق يلقيه الخطيب، أو موعظة بليغة يعظها الواعظ، وربما تذرف العيون من مشاهد الفزع في الآخرة، فاعرف يا أخي – أن تلك اللحظة لحظة الاعتبار، ولحظة الاغتنام بالفرصة السعيدة التي قدرها لك الله لحكمة يعلمها، ولسبب يعرفه وحده، وعليك بالمباردة إلى الخير إذا وجدت نفسك تميل إليه، والقلب يرتاح له، واغتنم الفرصة فإنها من رسل الله إليك، وسل قلبك إذا مررت بآية مثلها تخاطبك وتزجرك عن المعصية، وتدعوك إلى الهداية: ألم يأن بعد.

