ساعة مع عالم الكتب

من أروع ما قرأت اليوم
8 مارس, 2026
من أروع ما قرأت اليوم
8 مارس, 2026

ساعة مع عالم الكتب

د. أبو سحبان روح القدس الندوي
قال المتنبي:
“خير جليس في الزمان كتاب”.
ولا سيّما لمن كان بعيداً عن أهله وذويه وبلده ومن يحبه ويحن إلى لقائه، وكذلك من كان مبتلىً في نفسه وأهله، فالكتاب خير رفيق ومؤنس له، يزيح ما ابتُلي به صاحبه من همّ وحزن وفرقة إخوان وأصدقاء، فالعكوف على الكتاب دواء روحي لداء نفسي، وبه يطمئن القلب وترتاح النفس ويهدأ البال ويهنأ الخاطر ويطيب العيش.
أما من كان مولعاً بالكتاب فلا يجد المتعة والراحة والاسترواح إلا في النظر في الكتاب وتقليب صفحاته ومذاكرة أهل العلم بشأنه وأطراف الحديث حوله، حتى في تنظيم مكتبته الشخصية وتنظيف رفوفها، لأن الشغف بالكتاب صار هويته وأنيسه الملازم.
أما مطالعة سير أعلام من المفسرين والمحدثين والفقهاء والزهاد والدعاة والمجاهدين المغامرين والأدباء والمؤلفين….. ومن إليهم فتزوِّد المطالع وملازم الكتاب والحريص على اقتنائه بالهدوء والأريحيّة والثقة ومعالجة الملمّات والصبر على المهمّات ومقاومة غمرات الحياة ومرارتها دون نزاع ونقاش.
لا جرم أن ثقافتنا العلمية والأدبية ومواردها فإنها مشحونة بالأعلاق النفيسة، فلابد أن نمرّ برياض الكتب ونرتع ونمتّع أنفسنا ونغوص بحارها ونخرج درراً يتيمة وغرراً ثمينة.
إذاً لابد أن نقضي ساعة بل ساعات مع عالم الكتب ونروّح أنفسنا في ظلالها ونعيش في رياضها وثمة حياة وحيوية وطموح وإشراق ونور على الدرب ومعالم في الطريق.
فتعال! أيها الملمّ بالكتب أن نمرّ هنيهة على “خريدة القصر”، و”زينة الدهر”، و”دمية القصر”، و”يتيمة الدهر”، وإلى أصلها المنسوج على منواله وهو: “البارع” في أخبار الشعراء المولّدين.
وقد وقع لي أثناء المرور بتراث الميمني والمعصومي الوقوفُ على هاتيك الخزائن العلمية، تم ما أفاد به ابن خلكان في “الوفيات”.
قال ابن خلكان في ترجمة العماد الكاتب الأصبهاني(1):
“صنف التصانيف النافعة، من ذلك: كتاب “خريدة القصر وجريدة العصر”، جعله ذيلاً على “زينة الدهر” تأليف أبي المعالي سعد بن علي الورّاق الحظيري، والحظيري جعل كتابه ذيلاً على “دمية القصر وعصرة أهل العصر” للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلاً على “يتيمة الدهر” للثعالبي، والثعالبي جعل كتابه ذيلاً على كتاب “البارع” لهارون بن علي المنجم”.
وأضاف ابن خلكان قائلاً(2):
“وقد ذكر العماد في “خريدته” الشعراء الذين كانوا بعد المئة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك أحداً إلا النادر الخامل، وأحسن في هذا الكتاب”.
أما صاحب “الخريدة” محمد بن محمد صفي الدين بن نفيس الدين أبو عبد الله عماد الدين الكاتب الأصبهاني (519–597) فهو: مؤرخ، عالم بالأدب، من أكابر الكتّاب، ولد في أصبهان وقدم بغداد، واتصل بالوزير عون الدين “ابن هبيرة”، فولاه نظر البصرة ثم نظر واسط، ومات الوزير فضعف أمره، فرحل إلى دمشق، فاستخدم عند السلطان “نور الدين” في ديوان الإنشاء وبعثه نور الدين رسولاً إلى بغداد أيام “المستنجد”، ثم لحق بصلاح الدين بعد موت نور الدين، فكان معه في مكانة “وكيل وزارة” إذا انقطع “الفاضل” بمصر لمصالح صلاح الدين قام العماد مقامه. ولما توفي صلاح الدين استوطن العماد دمشق ولزم مدرسته المعروفة بالعمادية، وتوفي بها، له كتب كثيرة. اعتنى بذكرها الزركلي في “الأعلام”(3).
أما “زينة الدهر وعصرة أهل العصر” للحظيري، فهو ذيل على “دمية القصر” للباخرزي، “جمع فيه جماعة كبيرة من أهل عصره ومن تقدمهم، أورد لكل واحد طرفاً من أحواله وشيئاً من شعره”(4).
أما صاحب “زينة الدهر” أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم الخزرجي الورّاق الحظيري المعروف بدلّال الكتب، فكانت لديه معارف، وله نظم جيد، وألف مجاميع ما قصر فيها، وكان مطلعاً على أشعار الناس وأحوالهم، وله كتاب سماه “لمح الملح” يدل على كثرة اطلاعه. توفي سنة ثمان وستين وخمسمائة ببغداد(4).
أما “دمية القصر وعصرة أهل العصر” للباخرزي، فهو ذيل “يتيمة الدهر” للثعالبي، جمع فيه خلقاً كثيراً، وقد وضع عليه أبو الحسن علي بن زيد البيهقي كتاباً سمّاه “وشاح الدمية” وجعل كالذيل له(6).
وصاحب “الدمية” هو أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي الشاعر المشهور، كان أوحد عصره في فضله وذهنه، والسابق إلى حيازة القصب في نظمه ونثره…… وغلب أدبه على فقهه، فاشتهر بالأدب وعمل الشعر، وسمع الحديث، قتل بباخرز سنة سبع وستين وأربعمائة، وذهب دمه هدراً(7).
أما “باخرز” بفتح الباء الموحدة وبعد الألف خاء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة وبعدها زاي، فهي ناحية من نواحي نيسابور، يشتمل على قرى ومزارع، خرج منها جماعة من الفضلاء وغيرهم(8).
أما “يتيمة الدهر” للثعالبي، أبي منصور بن عبد الملك بن محمد النيسابوري، فهو ذيل على كتاب “البارع” لهارون بن علي المنجم. ونقل ابن خلكان(9) عن “الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة” لإبن بسّام الشاعر (ت 403) ما قاله في حق الثعالبي:
“كان في وقته راعي تلعات العلم، وجامع أشتات النثر والنظم، رأس المؤلفين في زمانه، وإمام المصنفين بحكم قرانه، سار ذكره سير المثل، وضُربت إليه آباط الإبل وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب، وتآليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع وأكثر راو لها وجامع، من أن يستوفيها حدّ أو وصف أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف”.
وأضاف إليه ابن خلكان(10) قائلاً:
“وذكر له طرفاً من النثر وأورد شيئاً من نظمه”، واختار ابن خلكان من شعر الثعالبي، وأردف ذكراً: “وله من التآليف “يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر” وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، وفيها يقول أبو الفتوح نصر الله ابن قلاقش الإسكندري الشاعر المشهور:
أبيات أشعار اليتيمه

أبكار أفكار قديمه

ماتوا وعاشت بعدهم

فلذلك سميت اليتيمه

واستمر ابن خلكان إفادةً(11): “وله أيضا كتاب “فقه اللغة” و”سحر البلاغة وسر البراعة” و”من غاب عنه المطرب” و”مؤنس الوحيد” وشيء كثير جمع فيها أشعار الناس ورسائلهم وأخبارهم وأحوالهم، وفيها دلالة على كثرة اطلاعه، وله أشعار كثيرة، وكانت ولادته سنة خمسين وثلثمائة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
ثم أفادنا ابن خلكان وجه نسبته إلى “الثعالبي” وضبطها فقال:
“والثعالبي بفتح المثلثة والعين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وبعدها باء موحدة، هذه النسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها، قيل له ذلك لأنه كان فراء”.
أما كتاب “البارع” في أخبار الشعراء المولدين لابن المنجم (251–288) فهو الأصل الذي نسجوا على منواله، وتلك فروع عليه. أفاد به ابن خلكان(12) وأجاد قائلا:
“جمع فيه مأة وواحداً وستين شاعراً، وافتتحه بذكر بشار بن برد، وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، واختار فيه من شعر كل واحد عيونه، وقال في أوله: إني لما عملت كتابي في أخبار الشعراء المولّدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم، وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي، والعلماء تقول: دلّ على عاقل اختياره، وقالوا: اختيار الرجل من وفور عقله، وقال بعضهم: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من عقله، واختياره قطعة من علمه”.
واستمر ابن خلكان(13) قائلاً: “وذكر –أي صاحب “البارع”– أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن، وأنه كان طويلا فحذف منه أشياء واقتصر على هذا القدر.”
ثم قال ابن خلكان(14) “وبالجملة فإنه من الكتب النفيسة، فإنه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم، فإنه لخص أشعارهم وأثبت منها زُبدتها وترك زَبدَها”.
أما صاحب “البارع” أبو عبد الله هارون بن علي بن يحيى بن أبى منصور، المنجم البغدادي الأديب الفاضل، فكان حافظاً، راوية للأشعار، حسن المنادمة، لطيف المجالسة.
وله كتاب “النساء” وما جاء فيهن من الخبر ومحاسن وما قيل فيهن من الشعر والكلام الحسن”. ولم يظفر له ابن خلكان بشيء من شعره فلم يورده. وقال(15):
“وذكر هو في كتابه “البارع” المذكور أباه أبا الحسن علي بن يحيى بن أبى منصور، وسرد له مقاطيع، ثم أردفه بذكر أخيه يحيى بن علي بن يحيى، وعدّ له جملة من مقاطيع أوردها”.
وأنهى ابن خلكان حديثه عن أسرة هارون هذا فقال(16):
“هم أهل بيت منهم جماعة من الفضلاء والأدباء والشعراء، وجالسوا الخلفاء ونادموهم، وقد عقد لهم الثعالبي في كتاب “اليتيمة”(17) باباً مستقلاً، وذكر فيه جماعة منهم”. انتهى.
من أهم المراجع: ابن خلكان، أحمد بن محمد أبي بكر (608–681هـ)
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (1–8) تحقيق الدكتور إحسان عباس
الهوامش:
1. وفيات الأعيان 5: 147–150. دار صادر، بيروت لبنان ط الخامسة 2009م
2. المصدر نفسه 5: 150
3. 7: 254
4. وفيات الأعيان 2: 366
5. المصدر نفسه 2: 366
6. المصدر نفسه 3: 387
7. المصدر السابق 3: 387
8. المصدر السابق 3: 389
9. المصدر السابق 3: 381
10. المصدر السابق 3: 178
11. المصدر السابق 3: 180
12. المصدر السابق 6: 78
13. المصدر نفسه
14. المصدر نفسه
15. المصدر نفسه 6: 79
16. المصدر نفسه
17. 3: 34. شرح وتحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ط الأولى 1983م
* * *