إصلاح ذات البين

ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (2)
7 مارس, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (2)
7 مارس, 2026

إصلاح ذات البين

أشرف شعبان أبو أحمد (الأسكندرية، مصر)
الإسلام دين واقعي لا يفترض البشر ملائكة يمشون على الأرض ولكنه يفترضهم بشرا مزودين باستعدادات للخير والشر، وللهدى والضلال فهم يصيبون ويخطئون، وكثيرا ما تسوقهم غرائزهم وتسول لهم أنفسهم الأمارة بالسوء ويوسوس لهم شياطين الإنس والجن ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وتغريهم أعراض الحياة الدنيا وتتقاذفهم أمواج الفتن المظلمة، وهذا ما يجعلهم يتنازعون ويتخاصمون ويتقاتلون، فتشتم أعراض وتسلب أموال وتسفك دماء، وقد وقع هذا منذ أن كان على وجه هذه الأرض الواسعة أسرة واحدة مكونة من والدين وأولادهما آدم وحواء وبنيهما وبناتهما، حيث اعتدى أخ على أخيه فقتله بغيا وعدوانا، قال تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأه أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين) سورة المائدة الآيات 27–32 في هذا الوقت المبكر من حياة البشر حيث لم يكن الإنسان يعرف كيف يوارى سوءة الميت، ولم ير ميتا يدفن بعد، قتل الإنسان أخاه الإنسان، أخاه لأمه وأبيه!
ولقد كان للملائكة من إلهام البصيرة ما يكشف لهم عن شئ من فطرة هذا الإنسان أو من مقتضيات حياته على الأرض مما جعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض وأنه سيسفك الدماء قال تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) سورة البقرة آية 30 وهم بفطرتهم البريئة يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له هو وحده الغاية المطلقة للوجود وهو وحده العلة الأولى للخلق وهو متحقق بوجودهم فهم يسبحون بحمد الله ويقدسون له ولا يفترون عن عبادته، لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا في بناء الأرض وعمارتها وفي تنمية الحياة وتنويعها، على يد خليفة الله في أرضه، هذا الذي يفسد أحيانا وقد يسفك الدماء أحيانا ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل.
ولئن كان النزاع والتقاتل أمرا لا مناص منه بحكم طبيعة البشر، لم يكن معنى ذلك أن يترك ليستشري خطره ويتطاير شرره ويزداد سوء أثره يوما بعد يوم، إن الخصومة حين تحدث والنزاع حين يقع، أشبه بالحريق حين يشب فهل يترك الحريق يلتهم الأخضر واليابس، والمجتمع يكتفي بالتفرج أو الصراخ؟ لا، فلا بد أن يتدخل المجتمع كل بقدر طاقته لإطفاء النار بكل سرعة ممكنة، ولا بأس أن يخصص المجتمع رجالا من أبنائه لإطفاء مثل هذه الحرائق مزودين بالإمكانات اللازمة والمعدات الكافية، فالمجتمع إذن مسئول عن إطفاء أي حريق يصيب دارا أو أكثر، وأي تهاون في إطفائه يخشى سوء أثره على المجتمع لا محالة، وهذه الخصومات حريق من نوع آخر حريق لا يدمر البنيان والحجارة ولا يأكل الخشب والحطب والمتاع ولكنه يأكل القلوب والضمائر ويدمر معاني الحب والخير في الصدور، والمجتمع مسئول عن إطفاء هذا الحريق المعنوي الخطر على الإيمان والأخلاق، والذي بين الرسول صلى الله عليه وسلم سوء أثره بقوله (إن فساد ذات البين هي الحالقة) رواه أبو داود والترمذي0 ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) على المجتمع أن يتدخل لإطفاء أي شقاق يحدث حتى ولو كان ذلك بين زوج وزوجته، على أن يكون القائمون بالإطفاء والإصلاح من أهل الزوجين حتى لا يتسع الخرق على الراقع، قال تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا) سورة النساء آية 35 وقد بينت الآية أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين ولكن الذي يبعث الحكمين ويشكل هذا المجلس العائلي، هو المجتمع المخاطب بقوله (فابعثوا) ممثلا في أولي الأمر من أهل الحل والعقد فيه، فإن لم يوجد هؤلاء كان الجميع مسئولين مسئولية تضامنية، وإذا كان المجتمع مسئولا عن نزاع صغير يقع داخل أسرة، فكيف بنزاع أكبر منه يقع بين أسرتين أو قبيلتين أو بلدتين؟! إن مسئوليته هنا لا شك أكبر وتدخله لا ريب ألزم0 وهنا يأمر القرآن بالتدخل الحاسم لحل النزاع والإصلاح بين الطائفتين وإيقاف الصراع بينهما ولو بقوة السلاح (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) سورة الحجرات الآيات 9 – 10 والقرآن وهو يفترض إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين يستبقى لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهم ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب، وهو يكلف الذين آمنوا من غير الطائفتين المتقاتلتين طبعا أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق ومثله أن تبغيا معا برفض الصلح أو رفض قبول حكم الله في المسائل المتنازع عليها فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر الله وقبول حكم الله فيما اختلفوا فيه، فإذا تم قبول البغاة لحكم الله قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة له وطلبا لرضاه0 وقد أمر الله عز وجل ألا تتجاوز الخصومة بين المؤمنين حدود المؤمنين فكما لا يستعان في الصلح بين الزوجين بغير الأهل فلا يستعان بغير المسلمين في الصلح بين المؤمنين وفي محاربة الفئة الباغية.
كما يحث القرآن على الإصلاح بين الناس في أكثر من موضع فيقول تعالى (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) سورة الأنفال آية 1 ويقول عز وجل (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) سورة النساء آية 114 وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى وترغب في الإصلاح بمثل هذا الأسلوب القوي المؤثر، قال عليه الصلاة والسلام (ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة) رواه أبو داود والترمذي وقال صحيح0 وكما خصص المجتمع رجالا لإطفاء الحريق مزودين بالسيارات والخراطيم ينبغي له من باب أولى أن يخصص رجالا للإصلاح بين الناس بتكوين لجان للمصالحات في كل جهة أو قرية يكون من سلطتها التدخل لفض الخصومة وإزالة آثارها وما يترتب عليها بكل الوسائل.
والخلاف أو القتال في صفوف المؤمنين هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، فالأصل بين المؤمنين هو الوحدة والتعاون والسلام والحب والأخوة قال تعالى (إنما المؤمنون أخوة) وقد من الله عز وجل على المؤمنين بهذه الأخوة بعد أن كانوا أعداء في الجاهلية، فما أن يعتصم الجميع بحبل الله حتى يصبحوا بنعمة الله إخوانا، قال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا) سورة آل عمران آية 103 وقد رأينا هذه الصورة النموذجية للمجتمع المتآخي المتحاب، في المجتمع الإسلامي الأول الذي ضمته مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما كان هناك من تباين، فقد كان فالمجتمع يتألف من المهاجرين وهم قوم وافدون دخلاء على أهل البلد وهم من العرب المستعربة أعني العدنانيين، ومن الأنصار وهم أهل البلد وأصحابه وهم من العرب العرباء أعني القحطانيين، وبين كل من القحطانيين والعدنانيين تنافس وتفاخر قديم، وحتى هؤلاء الأنصار يتآلفون من بطنين كبيرين، طالما قامت بينهما حروب ودماء، تخلفت عنها أحقاد، وهما الأوس والخزرج، ومع هذا نجد بين هؤلاء وأولئك الحبشي كبلال، والفارسي كسلمان، والرومي كصهيب، وهناك فوق ذلك البدوي الخشن كأبي ذر، والمتحضر الذي ربي في أحضان النعيم كمصعب بن عمير0 ومع ذلك كله قام في ظل الإيمان ذلك الإخاء الفريد، الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله، فرأينا المجتمع الذي يحب الفرد فيه لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، ويرى إيمانه لا يكتمل بغير هذا، بل رأينا فيه من يؤثر أخاه على نفسه، ويجود بالطعام وهو أشد ما يكون جوعا، ويتنازل عن الماء وهو أشد ما يكون عطشا، وقد رسم القرآن لنا صورة من هذا المجتمع الفاضل في قوله تعالى (للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) سورة الحشر آية 8 و9 هذا هو المجتمع الذي يضعه الإسلام نصب عينيه صورة مثلى تتطلع إليها الأعين وتصبوا إليها النفوس ويجب أن يعمل المخلصون على أن تكون واقعا يلمسه الناس.
المراجع
1. في ظلال القرآن سيد قطب ج6 ص 3343 وج1ص56 و57 وص442
2. فقه الزكاة دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة يوسف القرضاوي ج2 من ص 899 إلى ص 905