كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (4/الأخيرة)
7 مارس, 2026الدكتور نجات الله الصديقي: اقتصادي إسلامي
محمد إبراهيم الندوي (ماليزيا)
يعدّ الدكتور نجات الله صدّيقي رحمه الله من الشخصيات العلمية العالمية البارزة التي تركت أثرًا عميقًا في الفكر الإسلامي المعاصر، ولا سيما في مجالات الاقتصاد الإسلامي، والتمويل الإسلامي، والمصارف الإسلامية، وقد عرف في العالم الإسلامي بوصفه من الروّاد المؤسسين لهذا الحقل، ومن أبرز من ساهموا في تأصيله نظريًا وتطويره عمليًا على أسس شرعية مقاصدية متينة، ومع أنّ شهرة الدكتور نجات الله صديقي رحمه الله ارتبطت في أذهان كثير من الباحثين بالاقتصاد الإسلامي والمالية الإسلامية، فإنّ جانبًا مهمًا من عطائه العلمي والفكري يتمثل في الفكر الإسلامي ومنهجيته. فقد قدّم إسهامات علمية متميزة في بناء منهج فكري إسلامي يتسم بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويقوم على فهمٍ عميق للنصوص الشرعية، واستيعابٍ واعٍ لواقع الإنسان المعاصر وتحدياته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.
نشأته العلمية وبدايات تكوينه الفكري
ولد الدكتور نجات الله صدّيقيّ رحمه الله يوم 21 أغسطس سنة 1921م في مدينة غوركفور بالهند، في بيتٍ علميٍّ متديّن، حيث كان والده الحكيم عبد القدوس من أهل العلم والفضل. تلقّى تعليمه الأولي في مكتب الحي، ثم التحق بالكلية الإسلامية الثانوية بغوركفور، وأكمل فيها دراسته حتى المرحلة الثانوية (High School)، وقبل إتمامه المرحلة الثانوية، كان يواظب على قراءة المجلات الإسلامية والفكرية، وبعد إنهائه الدراسة الثانوية، انتقل سنة 1949م إلى جامعة عليغر الاسلامية والتحق بكلية الآداب لدراسة مرحلة البكالوريوس. غير أنّ اهتمامه بالفكر الإسلامي دفعه بعد فترة قصيرة إلى زيارة مركز الجماعة الإسلامية في مليح آباد بلكناؤ، حيث عرض على أمير الجماعة آنذاك فكرة إنشاء مؤسسة علمية تعنى بتدريس العلوم الشرعية بعمق ومنهجية لطلبة العلوم الحديثة. وعندما تأسست المؤسسة الثانوية في رامبور، ترك جامعة عليغر والتحق بهذه المؤسسة، ومكث فيها من يناير 1950م إلى أبريل 1953م وفي الأشهر الستة الأخيرة من هذه المرحلة، التحق بمدرسة الإصلاح في سراي مير – أعظمغره، وتتلمذ على يد الشيخ أختر الإصلاحي الندوي، حيث ازداد نضجه العلمي، ثم عاد بعد ذلك إلى جامعة عليغر الاسلامية، وأكمل مسيرته الأكاديمية، حتى نال منها الماجستير ثم درجة الدكتوراه في الاقتصاد سنة 1966م.
مرحلة التدريس والعمل الأكاديمي
بعد أن نال الدكتور نجات الله صدّيقيّ رحمه الله درجة الدكتوراه في الاقتصاد، عيّن أستاذًا في قسم الاقتصاد بجامعة عليغر الإسلامية، وظل فيها حتى عام 1974م. وتولّى بين 1976–1978م رئاسة قسم الدراسات الإسلامية بالجامعة نفسها، فبرزت قدرته على الجمع بين الاقتصاد والدراسات الشرعية والفكرية، ثم انتقل إلى الفضاء الدولي، فعمل أستاذًا في المركز الدولي للبحوث في الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة (197–2000، حيث أسهم إسهامًا محوريًا في تأسيس الاقتصاد الإسلامي والتمويل الإسلامي على أسس علمية رصينة، وأشرف على بحوث، وشارك في مؤتمرات، وأسهم في إعداد جيل عالمي من الباحثين. قام رحمه الله بترجمات علمية أسهمت في بناء الوعي الفكري والاقتصادي الإسلامي باللغة الأردية، من أبرزها ترجمة كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب، وترجمة «كتاب الخراج» للقاضي أبي يوسف، مما ربط التراث الاقتصادي الإسلامي بقضايا العصر. كما انصرف منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى قرابة عام 2000 إلى عملٍ دؤوب في تقعيد الاقتصاد الإسلامي وتطويره، فكان له دور بارز في إبراز هذا الحقل علميًا ومنهجيًا، وتوضيح معالمه التي مهّد لها مفكرون مسلمون من قبله، وصياغتها صياغة معاصرة قابلة للتطبيق. وقد توّجت هذه الجهود بمنحه جائزة الملك فيصل العالمية تقديرًا لإسهاماته الرائدة. وهكذا تميّزت هذه المرحلة بأنها مرحلة تأسيس منهج وبناء مدرسة فكرية في الاقتصاد الإسلامي، مهدت لإسهاماته اللاحقة في الفكر الإسلامي ومقاصد الشريعة، ورسّخت مكانته بوصفه أحد أبرز روّاد أسلمة الاقتصاد في العصر الحديث.
آراؤه في علم الاقتصاد
تميّز مجال بحثه بالتركيز على النظريات الحديثة للمنفعة والربح، حيث لم يكتف بدراسة النظريات الاقتصادية المعاصرة، بل عاد كذلك إلى التراث الاقتصادي الإسلامي، محاولًا الربط بين القديم والحديث. ودعا من خلال ذلك إلى إعادة النظر في مفهوم الربح، وإلى البحث عن بدائل اقتصادية أخلاقية، خصوصًا في مقابل النظام الربوي السائد. وفي هذا السياق قدّم نقدًا علميًا عميقًا للنظام البنكي التقليدي، وبيّن أوجه قصوره من الناحيتين الأخلاقية والاقتصادية. كما أولى اهتمامًا خاصًا بقضايا الملكية في الإسلام، فعرض التصور الإسلامي للملكية الفردية والجماعية، مبرزًا خصائصه وآثاره الاجتماعية والاقتصادية. وبيّن بوضوح تميّز الرؤية الإسلامية عن النظم الرأسمالية والاشتراكية، حيث تقوم الملكية في الإسلام على التوازن والعدالة والمسؤولية. وتعدّ كتاباته في هذا المجال، ولا سيما ما كتبه عن نظرية الملكية في الإسلام، من الأعمال الجديرة بالدراسة والاعتبار. وفي مجال المعاملات المالية، قدّم شرحًا تفصيليًا لمبادئ الشراكة والمضاربة، وكتب بإسهاب عن الصيرفة الإسلامية الخالية من الربا، واضعًا تصورات عملية لتطبيقها في الواقع المعاصر. كما تناول موضوع التأمين من منظور إسلامي، وأسهم في تطوير البدائل الشرعية المناسبة له داخل الإطار الاقتصادي الإسلامي.
بعض الجوانب المهمة لهذا المجال
1. التنظير العام للاقتصاد الإسلامي: كان من أعظم إسهامات الدكتور صدّيقيّ أنه عمل على وضع الإطار العام للاقتصاد الإسلامي بوصفه نظامًا مستقلًا، لا تابعًا للرأسمالية ولا مجرد ردّ فعل على الاشتراكية. فقد أكّد في كتاباته أن الاقتصاد الإسلامي يقوم على رؤية كونية متكاملة للإنسان والحياة والمال، وأنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والقيم والأخلاق. وبيّن أن النشاط الاقتصادي في الإسلام ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، وعلى رأسها العدل الاجتماعي، والتنمية المتوازنة، وصيانة كرامة الإنسان.
2. نظرية الربح والمنفعة:من المجالات التي أولى لها اهتمامًا خاصًا نظرية الربح والمنفعة. فقد ناقش النظريات الاقتصادية الحديثة في الربح، ودرس أسسها الفلسفية والعملية، ثم قارنها بالتصور الإسلامي. ودعا إلى إعادة التفكير في مفهوم الربح بعيدًا عن الاستغلال والربا، ومبنيًا على المشاركة في المخاطر وتحقيق المنفعة الحقيقية للمجتمع. وفي هذا السياق، وجّه نقدًا علميًا عميقًا للنظام الربوي، واعتبره سببًا رئيسًا لعدم الاستقرار الاقتصادي والظلم الاجتماعي.
3. النظام المصرفي والتمويل الإسلامي: كتب بإسهاب عن البنوك الإسلامية الخالية من الربا، وشرح أسسها النظرية، واقترح آليات عملية لتطبيقها. وركّز على صيغ التمويل القائمة على المشاركة، مثل المضاربة والمشاركة، وعدّها جوهر التمويل الإسلامي الحقيقي. كما تناول بالتفصيل الفرق بين التمويل القائم على النشاط الحقيقي (Asset / Activity–based Finance) والتمويل القائم على الديون، مبيّنًا تفوّق الأول من الناحية الاقتصادية والأخلاقية.
4. الملكية في الاقتصاد الإسلامي: من أبرز مجالات إسهامه نظرية الملكية، حيث قدّم دراسة معمّقة لمفهوم الملكية الفردية والجماعية في الإسلام. وبيّن أن الإسلام لا يتبنّى الملكية الفردية المطلقة كما في الرأسمالية، ولا الملكية الجماعية الشاملة كما في الاشتراكية، بل يقدّم تصورًا متوازنًا يقوم على المسؤولية الاجتماعية والضوابط الأخلاقية. وأوضح آثار هذا التصور في تحقيق العدالة الاجتماعية ومنع التركز غير المشروع للثروة.
5. التأمين والتكافل: تطرّق الدكتور صدّيقيّ كذلك إلى قضية التأمين، وناقش الإشكالات الشرعية والاقتصادية المتعلقة به، ثم أسهم في تطوير مفهوم التكافل الإسلامي بوصفه بديلًا شرعيًا واقتصاديًا للتأمين التجاري. وبيّن كيف يمكن للتكافل أن يحقّق الحماية الاجتماعية دون الوقوع في الغرر أو الربا أو الظلم.
6. تاريخ الفكر الاقتصادي الإسلامي: من أعماله المرجعية كتابه الذي تناول فيه تاريخ الفكر الاقتصادي الإسلامي من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين. وقدّم فيه عرضًا تحليليًا لتطوّر الأفكار الاقتصادية عند علماء المسلمين، وربط بينها وبين القضايا الاقتصادية المعاصرة. ويعدّ هذا العمل حجر أساس لكل باحث في هذا المجال، لما فيه من توثيق وتحليل ومنهجية دقيقة.
7. المنهج المقاصدي في الاقتصاد: الميزة الأبرز في جميع إسهاماته الاقتصادية هي المركزية المقاصدية. فقد كان يرى أن أي نظرية أو سياسة اقتصادية لا بد أن تقاس بمدى تحقيقها لمقاصد الشريعة، لا بمجرد كفاءتها التقنية. ولهذا انتقد في أواخر حياته بعض التطبيقات المعاصرة للاقتصاد الإسلامي التي ركّزت على الشكل وأغفلت الروح والمقاصد، محذرًا من تحويل الاقتصاد الإسلامي إلى مجرد “هندسة مالية” خالية من البعد القيمي.
8. الرؤية المستقبلية والنقد الذاتي: لم يكن الدكتور نجات الله صدّيقيّ مفكرًا منغلقًا على الماضي، بل كان صاحب رؤية مستقبلية. فقد دعا إلى تطوير الاقتصاد الإسلامي، والانفتاح المدروس على المؤسسات المالية العالمية، وإنشاء نوافذ إسلامية، وتوسيع نطاق التمويل الأصغر الإسلامي لخدمة الفقراء والمهمّشين. وفي الوقت نفسه مارس نقدًا ذاتيًا شجاعًا للتجربة الإسلامية المعاصرة في الاقتصاد والتمويل.

