من هم أحقُّ بقيادة العالم؟

بقاء الأمة وسيادتها
11 ديسمبر, 2025
بقاء الأمة وسيادتها
11 ديسمبر, 2025

من هم أحقُّ بقيادة العالم؟

د. محمد وثيق الندوي
الأخلاق جزء مهمٌّ من العقيدة، فإن العقيدة السليمة الصافية لا تكون بغير أخلاق، وقد اعتنى الرسول صلى الله عليه وسلم بتربية صحابته – رضي الله عنهم– على مكارم الأخلاق بأساليب متنوعة، كان يتلو عليهم ما ينزل من القرآن الكريم، فإذا سمعوه، وتدبروه، عملوا بتعاليمه، فكان الرسول القدوة الكاملة، والمعلم الناصح، والمربي الحكيم، لأنه كان على خلق عظيم: “وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ” [القلم: 4]، وكان خلقه القرآن كما أوضحت عائشة الصديقة رضي الله عنها، وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار حسن الخلق، وحثَّ عليه، فقال: “ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق”، وقال: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا”، وقال: “إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”، وسأل رجل الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الإيمان؟ قال: “الصبر، والسماحة، وخلق حسن”. وقال شاعر:
ليس دنيا إلا بدين وليس
الدين إلا مكارم الأخلاق

والأخلاق ليست شيئًا ثانويًا في الإسلام، وليست محصورة في نطاق معين من نُطق السلوك الإنساني، إنما هي ركيزة من ركائزه، كما أنها شاملة للسلوك البشري كله، كما أن المظاهر السلوكية كلها ذات الصبغة الخلقية الواضحة، هي الترجمة العملية للعقيدة الصافية والإيمان الصحيح؛ لأن الإيمان ليس مشاعر مكنونة في داخل الضمير فحسب، إنما هو عمل سلوكي ظاهر كذلك بحيث يحق لنا حين لا نرى ذلك السلوك العملي أو حين نرى عكسه أن نتساءل: أين الإيمان إذا؟ وما قيمته إذا لم يتحول إلى سلوك، كما أشار إلى ذلك سيد محمد قطب في كتابه” دراسات قرآنية” والدكتور محمد الصلابي في كتابه: “السيرة النبوية”.
لقد رسم القرآن الكريم صورة تفصيلية للشخصية المؤمنة المتصفة بمكارم الأخلاق في عدد من السور مثل الإسراء، والفرقان، والمؤمنون، وغيرها، وتتضمن هذه السور آدابًا فذة تعطي أسمي التوجيهات في باب الفضائل والمحامد، والآداب الفردية والاجتماعية، ولا تبلغ سفح ذراها أرقى المجتمعات في أمم الحضارة قديمها وحديثها، وحقًا إنها كما وصفها الله “صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة”، وتحث هذه السور على الخلق الكريم المحمود، وتنفر من الخلق المذموم، وهكذ القرآن الكريم يعلِّم ويربِّى المؤمنين به على العقائد، والعبادات، والأخلاق، والشريعة والحكم في وقت واحد، فالأخلاق دين ملتزم به، بل هي أصل من أصول المنهج القرآني للحياة، وليست مجرد فضائل فردية وآداب اجتماعية أو أذواق حضارية، كما أن الأخلاق قيم أساسية من حياة الإنسان ينبغي أن تحظي بالثبات والاستقرار.
وقد أولى الرسول صلى الله عليه وسلم الأخلاق أهمية كبيرة، وحثّ على التحلِّي بفضائلها بأساليب متنوعة، وحذَّر من ارتكاب مرذولها بشتى الطرق، وإن نظرة القرآن إلى الأخلاق منبثقة من نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، فإذا كانت العقائد تشكل أركان الصرح الإسلامي، فإن التشريعات تكون تقسيمات حجراته، وممراته، ومداخله، والأخلاق تضفى البهاء والرونق والجمال على الصرح المكتمل، وتصبغه بالصبغة الربانية المتميزة، وإذا كانت العقيدة الإسلامية تشكل جذور الدوحة الإسلامية وجذعها، فإن الشريعة تمثل أغصانها وتشعباتها، والأخلاق تكون ثمارها اليانعة، وظلالها الوارفة، ومنظرها البهيج.
فالنطام الإسلامي للحياة لا يكتمل بدون الأخلاق، لأن الأخلاق هي ركيزة أساسية من ركائز الإيمان، ودعامة أساسية من دعامات الحكم الإسلامي، وليست هنا أزمة أشد من أزمة الإيمان والأخلاق، والشيء الوحيد الذي اعتلَّ، وباعتلاله–كما أشار إلى ذلك العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي–أصبحنا نواجه مشكلات وقضايا، على مستوى الأفراد والجماعات، والمجتمعات والحكومات، والأوضاع العالمية، هو الأخلاق، “إن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الشأن في الحكومات والأحزاب، فإذا ذهبت وزارة وجاءت أخرى، وإذا ذهب حزب وجاء آخر، فقد انحلت الأزمة، وانقشعت المشكلة، إن هذا حكم خاطئ ومستعجل، ومبني على قصر النظر، ليست المسألة مسألة أحزاب أو حكومات، أو شيء من التعديلات، إن المسألة مسألة العقلية والاعتقاد، والنفوس والقلوب، فلا فائدة في هذه التغيرات، وإن تبدُّل حزب بآخر أو حكومة بأخرى، لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، إن الأفراد كلهم يلتقون على الخضوع للمادة والاستئثار وخدمة النفس، وهذه النفس قد تقصر فتصبح نفسًا فردية، وقد تتسع فتصبح نفسًا حزبية أوجماعية، إن هذه العقلية هي التي تسيطر على العالم كله، وكل ما نعاني من فساد الأوضاع، مردُّه إلى فساد هذه النفوس، وهيمنة هذه العقلية الخاضعة للمادة، الخادمة للمصلحة، المستأثرة الأنانية”.
ففي الإسلام أخلاق وآداب تشمل كافة جوانب الحياة، وتُكوِّن سلوك المسلم مع أخيه المسلم، ومع غيره كذلك، وتكوِّن منظومة خلقية نبيلة، تجعل المجتمع المسلم مجتمعًا مترابطًا متماسكًا، ومتضامنًا متعاونًا، وصالحًا لقيادة العالم.
وخير نموذج للأخلاق الإسلامية والصفات النبيلة التي تميز المؤمنين، وتؤهلهم لقيادة العالم، هم عباد الرحمن الذين جاء ذكرهم في سورة الفرقان: “وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَْرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا، وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا”.
وإذا وُجدمجتمع سادت فيه هذه الأخلاق الإسلامية النبيلة، فهو خير المجتمعات، وإذا قام مجتمع تتحلى فيه المسلمون بمكارم الأخلاق أفرادًا وجماعات، وحكامًا وجماهير، فهو أفضل المجتمعات الإنسانية، ويصلح للقيادة في العالم، فالنظام الإسلامي لا يكتمل بدون منظومة القيم والأخلاق، بجنب الالتزام بالعقائد، وأمهات العقائد، والعبادات، والشريعة، وهي أصول الدين، بينما النظام الغربي مؤسس على فلسفة القوة بصرف النظر عن القوة الأخلاقية، فالنظام المجرد عن منظومة القيم والأخلاق لا يصلح للقيادة، وإن السياسة المتبعة في الغرب هي “البقاء للأقوى، لأن الأقوى هو الأصلح” بصرف النظر عن منظومة القيم والأخلاق.
فإن العالم اليوم تعمُّه الصراعات والنزاعات، يعم فيه التحارب والتقاتل، وتشيع الفحشاء، وتستشري الرذيلة، وتفقد الفضيلة، وتُنتَهك الحرمات، ويَتصَاعَد سباق التسلح، وتُغْتَصبُ الأراضي، ويُسْتَعبَد الناس، وتُحْتَلُّ البلدان، ويعتدي الأقوياء على الضعفاء، وينتشر الخوف والذعر، والإرهاب، وتُرْتَكب جرائم حرب، وتثار الفتن والاضطرابات، والانقلابات والثورات في مناطق مختلفة في العالم، والقُوى العالميةُ ترعاها لمصالح سياسية واستعمارية، فالعالم بحاجة إلى عباد الرحمن الذين يستطيعون أن يكونوا مجتمعًا صالحًا لقيادة العالم من الشقاء إلى السعادة، ومن الظلمات إلى النور، ومن الحروب والصراعات إلى الأمن والسلام، وعبادُ الرحمن المتسمون بمكارم الأخلاق، هم الفائزون، وهم أحق بقيادة العالم المضطرب.