كل ميسر لما خلق له
11 ديسمبر, 2025ما هي التوبة الصادقة؟
18 يناير, 2026انتظروا الوقت الأمثل
محمد خالد الباندوي الندوي
أخي العزيز!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نرى كل إنسان – أيها الأخ – يتمنى أن يبلغ منصبا رفيعا، وربما يستعجل اكتساب تكريمٍ لم يتهيأ له بعد، أو ينال شهرة بين الناس، كثيرا ما يودّ المرء لو يشار إليه بالبنان، ويذكر اسمه في المجالس ويشار إليه بالبنان في النوادي، كما يتمنى ثروة كثيرة، تهبط عليه دفعة واحدة، أو فضلاً يكتمل له بين عشية وضحاها. ويتجاهل حينذاك أن الوقت الأمثل هو الميزان الذي تُوزَن به الأمور، فإذا وافق الشيئ الوقت الصالح تحمد عاقبته، ويروق منظره ويحسن في عين ناظره، وأما إذا لم يصب الموضع أوظهر قبل أوانه، تكن غير محمود المغبة، ويسوء منظره. فربما يواجه الإنسان في حياته المواقف التي تقتضي إلى صبر طويل، وتتطلب منه جهدا دؤوبا، وتفرض أن يعطيها وقتها الطبعي لكي تستكمل وتنضج وتؤتي أكلها المرجوة.
وترشد إلى هذا المبدأ قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينوي الإسلام، دخل عليه وهو في دار الأرقم، وكان المسلمون آنذاك في قلة مستضعفة لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم فكيف بعمر رجل الشجاعة والبطش، رجل الغضب والقوة، الذي يفزع من اسمه الشجعان، ويتجنب من لقياه الفوارس من الأبطال، دخل عمر غضوبا ثائرا، فقابله النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة هادئة وعندما أسلم عمر اقترح بعض الصحابة إعلان إسلامه فورا لأنهم أحسوا في نفوسهم القوة والمنعة، ورأى آخرون التريث لكن رسول الله صلى الله وسلم رضي بموقف التريث وترك الاستعجال لأنه كان يعرف أن لكل أمر وقته الأمثل، ثم لما حان حينه خرج المسلمون صفين يعلنون توحيدهم في لحظة تغير فيها ميزان القوة تغييرا حقيقيا لأنه أدرك أن الظروف قد نضجت وأن الوقت أصبح صالحا لتحرك جريئ.
كما أن الهجرة النبوية على صاحبها – ألف تحية وسلام – يهدينا إلى التمسك بهذا المبدأ الحكيم، إذ مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة سنوات طويلة رغم شدة الأذى ومقاساة الظروف الحالكة، ولم يغادر منها إلا حين هيأه الله له الأنصار والبيعة والظروف المناسبة.
إن سنّة الحياة – أيها الأخ – تقرر أن الكرامة والرفعة لا تنال إلا بعد الجهد والمشقة، فالعزة والوقار والثبات لا تأتي إلا من طريق الاجتهاد والتحمّل وركوب الصعاب. لا سبيل للتميّز والنجاح من غير عملٍ دؤوب وصبرٍ طويل، وإن انتظار اللحظة ليس جبنا ولا ضعفا بل هو فن تقدير الأمور وموازنة بين ما نريد وما تسمح به الظروف، فكم من رجل عالي الهمة قوي الإرادة أخفق في مسعاه لأنه استعجل في الإقدام، وكم من مشروع انهار لأنه ولد قبل أوانه، وكم من فكرة نجحت لأنها جاءت في أوانها ومكانها، جاءت وقد تهيأت لها الأجواء فاحتضنتها النفوس واستقبتلها القلوب. وقديما قالوا: “قبل الرمي تملأ الكنائن” أو “قبل الرمي يراش السهم”.

