ولد الهدى فالكائنات ضياء

    ولد الهدى فالكائنات ضياء

    فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي

    كانت الإنسانية في القرن السادس المسيحي،تتسكع في ظلمات بعضها فوق بعض، كانت مصابيح قليلة تتضاءل في جنبات الطريق، كانت أعاصير الشهوات والأهواء تكاد تعصف بها، وتطفئ آخر جذوة من نورها.
    وكانت الإنسانية قد وضعت عربة حياتها على منحدرٍ شديد، يتَّجِهُ بها نحو واد سحيقٍ مخيف، وكان ركابُها في نومٍ عميق، لا يشعرون بالمصير الذي ينتظرهم،كانت البشرية يومئذ على شفا هاوية، لا يكاد يفصلها عن الهلاك إلا خيط واه، فإذا بشمس البعثة النبوية تشرق من أفق مكة، وإذا بنور محمد صلى الله عليه وسلم يبدد ظلمات القرون، ويفتح للإنسانية طريقًا جديدًا نحو الحياة السعيدة الآمنة،وقد كان هذا النور شديد السطوع على عيونٍ ألفت الظلام؛ فاضطربت له نفوسٌ كثيرة، وحاولت أن تطفئه، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره المشركون،وأن يبقى مشرقًا وهاجًا لا يستطيع البشر أن يطفئه، فانتشر النور، واتسعت دائرته، حتى نورت أشعتُه الباهرة مشارق الأرض ومغاربها، وأما الذين عرفوا قدره، فقد فتحوا له قلوبهم وعقولهم، فأضاء لهم طريق الحياة السعيدة، وهذّب نفوسهم، وصحّح اتجاههم، وأخرجهم من الفوضى إلى الاستقرار، ومن التدمير إلى البناء، ومن العبث إلى الرسالة، فأفادوا العالم علمًا وحضارة وعدلاً ورحمة، وانقشعت بهم ظلمات الجهل والبربرية، وحل محلها نور الإيمان، وانتشر العلم والحكمة، وعمت الرحمة والأمن.
    وكان من الناس من تمرَّد وتمادى في الغي والعناد، فأهلكه تمرُّدُه وعنادُه، ومنهم من ظلَّ يفرك عينيه، عاجزًا عن تصديق أن الفجر قد انبلج بعد ليلٍ حالك طويل.
    وفي هذا العصر عصر العولمة، الذي انطلقت فيه الدعوات إلى إقامة نظامٍ عالميٍّ جديد، وبعد أن ذاقت البشرية مرارة الأنظمة المستبدة التي صنعتها القوى الاستعمارية العالمية، وتجرعت من كؤوسها، وطُحنت في رحاها، ألا يجدر بها أن تتأمل في ذلك النظام الرباني الذي جُرِّب في التاريخ مرات ولو بنطاق محدود، فأثبت قدرته على صناعة الإنسان وصناعة الحضارة؟، فحيثما أُخذت السيرة المحمدية والأسوة النبوية مأخذَ الجد والعمل، وكلما طُبّقت مبادئها في واقع الحياة، تحوَّلت الأرض إلى واحةٍ من الأمن، ومهدٍ من السلام، وتفجرت العلوم والفنون، ووجدت الطاقات الإنسانية طريقها الصحيح، وأصبح الإنسان إنسانًا بحق.
    كان العالم قبل البعثة المحمدية يعيش أحط أدوار التاريخ وأشدها ظلامًا ويأسًا من مستقبل الإنسانية وصلاحيتها للبقاء والازدهار، فالإمبراطوريتان الرومية والفارسية كانتا تحملان بقايا حضارتين عظيمتين، لكن الفساد قد نخرهما من الداخل، واستشرى الظلم والاستبداد فيهما حتى بلغ من الشناعة مبلغًا تخجل منه الإنسانية،وفي جانب آخر كانت أوروبا يومئذ غارقة في ظلمات الجهل والخرافة، فجاء الإسلام، فأنقذ الشرق والغرب من براثن الظلم والطغيان، وفتح أمام الإنسان آفاقًا جديدة من الحرية والكرامة والعلم والحضارة، ثم امتدت أشعة النبوة إلى أوروبا، فأيقظتها من سباتها العميق، وأمدتها بالأسس العلمية والفكرية التي قامت عليها فيما بعد نهضتُها الحضارية.
    وما منصفٌ يقرأ التاريخ قراءة أمينة،إلا يدرك فضل الإسلام وحضارته في النهضة الأوروبية، ويعلم أن كثيرًا من اللبنات التي قامت عليها النهضة العلمية الحديثة قد وصلت إلى أوروبا عبر العالم الإسلامي،ولكن أوروبا حين انفصلت عن الروح التي صاحبت ذلك العلم، وحين قطعت الصلة بين المعرفة والقيم، وبين القوة والأخلاق، تحوَّل العلم إلى أدوات للدمار؛ فغدت القنابل والصواريخ عنوانًا لتقدُّمٍٍ فَقَدَ بوصلتَه، وأصبحت غيوم الحرب والدمار تخيم على العالم.
    ومن هنا فإن العبرة التي ينبغي أن نتعلمها من التاريخ، هي أن التقدم المادي إذا انفصل عن الهدى السماوي قد يتحول من نعمة إلى نقمة، ومن وسيلة لبناء الإنسان إلى أداة لهدمه، والسعيد حقًّا هو من يدرس التاريخ بعينين مفتوحتين وقلبٍ واعٍ، لا ليعدَّ أحداثه، وإنما ليستخرج سننه، ويتأمل مواضع العثرة والضعف، ويعرف كيف أورد الغرور والأنانيةُ وحب الذات والاستبداد الأممَ مواردَ الهلاك، وكيف ساقتها المناهجُ المصطنعةُ إلى طرقٍ بعيدة عن الفطرة السليمة، ثم ألقتها في الهوة السحيقة.
    فماذا أعطى النبي الخاتم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم الإنسانية؟، وممَّ أنقذها؟، وفي أي منعطف خطير أخذ بيدها؟. لقد أخرجها من نسيان الله إلى معرفته، ومن نسيان النفس إلى معرفة حقيقتها، ومن عبودية المخلوق إلى عبادة الخالق،ومنحها مع سعة الدين، سعة الدنيا، وفتح لها أبواب العلم والعمران، وأقام الإنسان على أساس الكرامة والمسؤولية، وربطه بخالقه الحقيقي، وحرَّره من أغلال العبودية للمخلوق،وإذا أردنا أن نلخص فضل البعثة المحمدية باختصار قلنا: إن كل خيرٍ بقي في هذا العالم، وكل نورٍ أشرق في حياة الإنسان، وكل قيمة سامية، وكل فضيلة باقية، إنما هو – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أثرٌ من آثار ذلك النبي الأمي العربي صلى الله عليه وسلم،وإن هذا الانقلاب العظيم والدور الزاهر الجديد معجزة من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم، ومأثرة من مآثر بعثته، ونفحة من نفحات الرحمة الإلهية التي عمت الأمكنة كلها والأزمنة كلها.
    وما تزال أمام الإنسان فرصة عظيمة،فإما أن يستسلم للفحاتِ الريح السموم، فيحترق ويحرق من حوله، وإما أن يفتح قلبه لنسمات الربيع، ويستظل بوارف الدوحة المحمدية، ويأخذ من هداها نورًا ومن سيرتها نبراسًا، ثم ينشر عبيرها في أرجاء العالم.
    فالقضية اليوم ليست قضية نورٍ قد أشرق، وإنما قضية أناسٍ يريدون أن يحملوا هذا النور إلى العالم، وأن يحفظوا جذوته من الرياح العاتية، وأن يحوّلوا هداية النبوة من ذكرى في التاريخ، إلى حياة نابضة في واقع الإنسان،وأن يتوجعوا للإنسانية ويذوبوا لها كالشمعة، وتذوب أرواحهم وتتلوى نفوسهم في نار الأسى والإشفاق والعطف على الخلق، والحرص على ما فيه نفعه وصلاحه.
    فهل من مجيب؟.
    (مترجمة من الأردية)