“الرائد” تدخل عامها الثامن والستين من عمرها
27 يوليو, 2026أيُّ النعم لمن يبيت… على بساط الذُّلِّ جَالِسْ
د. محمد وثيق الندوي
يقول إبراهيم اليازجي (1847م–1906م) في قصيدته الميمية:
سلام أيها العرب الكرام
وجاد ربوع قطركم الغمام
لقد ذكر الزمان لكم عهودًا
مضت قدما فلم يضع الذمام
وما العرب الكرام سوى نصال
لها في أجفن العليا مقام
لعمرك نحن مصدر كل فضل
وعن آثارنا أخذ الأنام
ونحن أولو المآثر من قديم
وإن جحدت مآثرنا اللئام
ويقول في قصيدته البائية:
تَنَبَهوا وَاستَفيقوا أَيُّها العَرَب
فَقَد طَمى السيل حَتّى غاصَتِ الرُّكَبُ
فيمَ التَعلُّلُ بالآمالِ تَخدَعَكُم
وَأَنتُم بَينَ راحاتِ الفَنا سلُبُ
كَم تُظلمون وَلَستُم تَشتَكون وَكَم
تُستَغضَبونَ فَلا يَبدو لَكُم غَضَبُ
فَشَمِّروا وَانهَضوا لِلأَمرِ وَابتَدِروا
مِن دَهرِكم فُرصَةً ضَنَّت بِها الحِقَبُ
لا تَبتَغوا بِالمُنى فَوزاً لِأَنفُسِكُم
لا يُصدقُ الفَوزُ ما لَم يَصدُقِ الطَّلَبُ
لأَنتمُ الفِئةَ الكُثرى وَكُم فِئةٍ
قَليلةٍ تمّ –إِذ ضَمّت– لَها الغَلبُ
هذه الأبيات تُبيِّن كيف كان العرب في الماضي، اتحدوا وتضامنوا فيما بينهم بعد دخولهم في الإسلام، وعضّوا عليه بالنواجذ، فغلبوا وحكموا وسادوا، ودوّخوا، ودامت الدنيا كلها خاضعة لهم قرونًا طويلة، فكانت “شعلة – كما كتب أديب إسحاق–سرت من الحجاز فأنارت الشام والعراقين ومصر والمغرب والهند، واتصلت بأطراف الفرنجة فملأتها نورًا ونارًا، فهي بنورها تستضيء ومن نارها تقتبس”.
ويقول: “فسارت أسود رجالها على طيور خيولها تطوي الصحاري وتقطع الفدافد، حتى نطحت بِروقي عزمها شرفات الايوان، ونسرت من الشرق نسر الرومان، ونشرت على مصر أعلامها، وضربت في الأندلس خيامها”.
ثم انحطوا وسقطوا، ويستمر هذا الوضع المخزي، فينشأ سؤال كيف نخرج من هذا الوضع؟، فلا يتيسر الخروج منه إلا بالوحدة والتضامن، والاتحاد والائتلاف، وإن العالم الإسلامي لا ينقصه إلا التنظيم والوحدة؛ وهذا ما ذهب إليه موريس برنو (Maurice Pernot) الذي طاف معظم أقطار الشرق الإسلامي، فيقول: “ظهر لي أن معظم الضعف فى الشرق منبعث عن تخلفه في مضمار تنظيم نفسه وتوحيد كلمته؛ فقد لقيت فى كل صقع نزلته إلا قليلاً إلى جانب صفات صالحة من الذكاء وحسن الخلق، نقصًا في الأساليب، وضعفًا في التوازن، يقرب من الفوضى”.
فلا شك في أن يكون المسلمون في مقدمة مصاف الأمم الراقية إذا أدركوا نقصهم وحاولوا اللحاق بمن تقدموهم في مجال العلم والاقتصاد والصناعة، والتنظيم والتنسيق، والتخطيط والتدبير المحكم، وهذا لا يستغرق مدة طويلة، فإن خمسين سنة تكفي لأمة منحطة حتى تأخذ ما عند أمة راقية، وما تعبت به أمم كثيرة قرونًا طويلة يمكن استصفاء زبدته في سنين قليلة، ونهضة اليابان شاهدة على ذلك، كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد كرد علي.
فإن الإيمان الراسخ الكامل، والعمل الصالح، والتقوى في السر والعلن، والتأدُّب بالآداب الإسلامية في السراء والضراء، والاعتصام بحبل الله المتين، والثبات والصمود، والصبر والتوكل على الله، أساس الانتصار والنصر على الأعداء، وتحقيق الفوز والغلبة.
وفوق ذلك طاعة الله وطاعة الرسول في كل الأمور، فما أمرنا الله تعالى به ائتمرنا، وما نهانا عنه انزجرنا؛ لأن طاعة الله ورسوله من أسباب تحقيق الفوز والنصر في المواجهة وغيرها، ولأن الطاعة تحقق الانضباط، وتوفر النظام، وتقمع الفوضى والتشتت، وظرف المواجهة يقتضي الانضباط واحترام النظام وحبه في أعلى مستوى وأكمله.
فلابد من وحدة الصف والكلمة والهدف، وعدم التنازع والاختلاف، فإن توحيد الصف والكلمة أمر أساسي للغلبة والانتصار، والتنازع والاختلاف مدعاة للفشل والجبن والخيبة وتغلُّب العدو، فإياكم والتنازع؛ لأنه مهدر للطاقات، ومقوّض لبنية الجماعات، وسبيل لإذهاب الحماسة، وتبديد القوة، والعصف بوجود الدولة، وإزالة روح الإقبال والإقدام، فلقد هلكت الأمم باختلافها وكثرة آرائها واعتراضاتها، ويدُ الله على الجماعة، يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” (الأنفال:45–46)
ويقول عز وجل: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (البقرة:55–57)
يقول إبراهيم اليازجي:
بِاللَّهِ يا قَومَنا هُبُّوا لِشأنِكُمُ
فَكَم تُناديكُمُ الأَشعارُ وَالخطبُ
أَلَستُم من سَطوا في الأَرضِ وَافتَتَحوا
شَرقًا وَغَربًا وَعَزّوا أَينَما ذَهَبُوا
ومَن أَذَلُّوا المُلوكَ الصِّيدَ فَارتَعَدَت
وَزلزلَ الأَرضَ مِما تَحتَها الرّهَبُ
وَمن بَنَوا لِصروحِ العزِّ أَعمِدَةً
تَهوي الصَّواعقُ عَنها وَهيَ تَنقَلِبُ
فما لَكُم وَيحَكُم أَصبَحتُمُ هملاً
وَوجهُ عزّكم بِالهونِ مُنتَقِبُ
لا دَولةٌ لَكُمُ يَشتَدُّ أزرَكُمُ
بِها وَلا ناصِرٌ لِلخَطبِ ينتَدِبُ
وَلَيسَ مِن حُرمةٍ أَو رَحمةٍ لَكُمُ
تَحنو عَلَيكُم إِذا عضتكمُ النُّوَبُ
ويقول في قصيدته السينية المشهورة:
أَيُّ النَعيمِ لِمَن يَبيت
عَلى بِساط الذُلِّ جالسْ
وَلِمَن أَزمّته بِكَفْ
فِ عِداهُ يَظلمُ وَهُوَ آئسْ
وَلِمَن تُباعُ حقُوقُهُ
وَدِماؤُهُ بَيع الخَسائِسْ
وَلِمَن يَرى أَوطانَهُ
خَرَباً وَأَطلالاً دَوارِسْ

