الحاجة إلى إيجاد الوعي وتنمية الشعور

من أرجحيات العمل الإسلامي المعاصر
9 يناير, 2021
المحن والشدائد تختبر المعدن
27 مايو, 2021

الحاجة إلى إيجاد الوعي وتنمية الشعور

لو تتبعنا أحوال الشعوب الإسلامية والبلاد العربية اليوم لوجدناها -رغم إيمانها والنور في قلبها-ضعيفة الوعي؛ بل فاقدة الوعي، فهي لا تعرف صديقها من عدوّها، ولا تزال تعاملهما معاملة سواء، أو تعامل العدوّ أحسن مما تعامل الصديق الناصح، وقد يكون الصديق في تعب وكفاح معها طول حياته بخلاف العدوّ، ولا تزال تلدغ بجحر واحد ألف مرة، ولا تعتبر بالمآسي والحوادث والتجارب، وهي ضعيفة الذاكرة، سريعة النسيان؛ تنسي ماضي الزعماء والقادة، وتنسي الحوادث القريبة والبعيدة، وهي ضعيفة في الوعي الديني والوعي الاجتماعي، وأضعف في الوعي السياسي، وذلك ما جرَّ عليها ويلاً عظيمًا، وشقاءً كبيرًا، وسلّط عليها القيادات الزائفة، وفضحها في كل مناسبة.

وإن المسلمين في الزمن الأخير صاروا من جهلهم بالدين وعجزهم في الدنيا بتفرُّقهم في العمل والجهود وتشتُّت شملهم،على أخلاق العبيد، تُنتهك حرماتهم، وتسلب حقوقهم، وتنهب مقدساتهم، فلا يندى لهم جبين، وتنقص أطرافهم فلا يُحمى لهم أنف، وتنزل بهم الشدة، فيتخاذلون تتخاذُل القطيع؛ عاث فيه الذئب، ويغير عليهم العدو، فيتواكلون تواكُل الأخوة، دبّ فيهم الحسد، وتجمعهم الخطوب، فيغرقهم الطمع والهوى، ويلجؤون إلى هيئة الأمم المتحدة والمنابر الدولية الأخرى، فيخذلهم العدو والصديق.

كأنَّ الإسلام الذي كان عامل قوة وائتلاف، ووحدة وتضامن، قد انقلب اليوم علَّة ضعف واختلاف،-كما صور الدكتور أحمد حسن الزيات- وكأن الذين كنا نقول لهم بلسان الجهاد: “أسلموا تسلموا”، يقولون لنا بلسان الاضطهاد: “تنصَّروا تُنْصَروا”، ولكن الإسلام دين الله لا يغيِّره الزمن، ولا تجافيه الطبيعة، ولا يعاديه العلم، ولا تنسخه المذاهب والفلسفات، وإنما المسلمون اليوم هم أعقاب أمم، وعكارة أجناس، وبقايا نظم، ورواسب حضارات، وربائب جهالات، وطرائد ذل، ففسدت مبادئ الإسلام في نفوسهم المشوبة، كما ينفسد الشراب الخالص في الإناء القذر.

وإذا استعرضنا الأرض كلها ونفضناها قطعة قطعة، لا نجد العيون تتشوَّف، والأفواه تتحلَّب، والأطماع تتصارع، إلا على ديار الإسلام وأقطار العروبة، فأي ذنب دفع خمس البشرية في هذه العبودية المهلكة، وهو الخمس الذي انبثق منه النور، وعرف به الله، وكَرُمَ فيه الإنسان، ليس لـ 1.8 مليار شخص من العرب والمسلمين حول العالم،من ذنب يستوجبون به هذا الاستعمار، فلو كان المستعمر الأوروبي صادق الحجة حين قال: إننا نتولى شؤون الشرق لنقوي الضعيف ونعلم الجاهل وندفع المتخلف، لوجد من العرب سنداً قوياً لحضارته، ومن الإسلام نوراً هادياً لعقله، ولكنه ورث الخوف من الإسلام عن القرون الوسطى، فهو يسايره من بعد، ويعامله على حذر، وإذا عذرنا قسوس العصور المظلمة فيما افتروا من جهالة، فما عذر الذين كشفوا الطاقة الذرية إذا جمدوا على الضلال القديم؟ وكتاب الله مقروء ودستور الإسلام قائم.(النهضة الإسلامية في سير أعلامها، للدكتور محمد رجب البيومي:1/350)

توجد هذه النفسية للخوف أو الذعر من المسلمين بسبب ذكريات التاريخ القديمة، ولم تتحرر الدول الأوربية من هذه النفسية، وقد تصاعدت هذه النفسية  في أوربا كلها بل في العالم كله في وجه الحركة الإسلامية، وبلغت حد الغليان، فتزيد الوضع تفاقماً وتأزماً، وتحدث مشاكل جديدة في حياة المسلمين فيجتهد المسلمون لتزول هذه النفسية، وتزول العقبات في حياتهم.

لقد ساهمت وسائل الإعلام المحلية والوطنية والعالمية وخاصة الإعلام الغربي في إيجاد هذه النفسية، نفسية الشك في كل ما يقوم به المسلمون، مساهمة كبيرة، فأصبحت بذلك الكتاتيب الدينية، ومراكز التربية الإسلامية، والمساجد ودور العبادة، وحلقات درس القرآن والحديث، وحضور المسلمين فيها، مبعث قلق لدى بعض النفوس، ويسوق هذا الشعور بالخوف إلى المطالبة من الحكومات باتخاذ إجراء لتحديد هذه النشاطات الدينية كما يقع في فرنسا حتى في الدول التي تنتمى إلى الإسلام، والهند كذلك.

إن الشرق الإسلامي منذ غفا غفوته الثقيلة الطويلة لم يرد أن يبصر بعينيه، ويسير على قدميه،ويعلم أن له تاريخاً ممتازاً، ووجوداً مستقلاً، وطابعاً خاصاً، ووحدة كاملة ومدنية أصيلة، وإنما ذهب يتحسس من طريقه على نداء الصائد، ويتوكأ في سيره على عمود الشرك، ويطمس على شخصه بالفناء في الغرب، كأن أهله لم يكفهم أن يكونوا عبيداً لأوروبا بالجسم عن قوة وقهر، فرضوا أن يكونوا عبيداً لها بالروح عن رضا وطواعية، فهم يقلدونها في كل شأن من شئونهم ويحاكونها.

إن الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الآباء، والاستعباد الفكري والثقافي والحضاري والأدبي  يدهمنا اليوم على يد الأبناء، وشتان بين استعباد كان عن إجبار وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم، والعبودية العقلية أشد خطراً، وأسوأ أثراً من العبودية الجسمية، لأن هذه لا تتعدى الأجسام، ومثلها مثل الجسم يُرجى شفاؤه متى عُرِفَ دواؤه، أما تلك: فحكمها حكم العقل إذا ذهب، والروح إذا زهق، وهل يُرجى لمجندل شفاء، أو ينتظر لمقتول رجعة؟.

كان العالم الإسلامي بتمسُّكه بالجادة الصحيحة،و الاهتداء بهدي الإسلام وتعاليمه ونظام عدله وقضائه وعلمه وثقافته، في موقف حلِّ مشاكل الأمم الأخرى وقيادتها إلى الرشد والصلاح، ولكن العالم الإسلامي اليوم اختار طريق الاقتداء والخضوع لمن يتربَّص به الدوائر، ويوجهه إلى عدم الاستقاء من منابع حياته، ومصادر نهضته.

وكان من حكمة التجربة مع الغرب، أن يعرف قادة العالم العربي والإسلامي  مصادر مشاكلهم، ويتخذوا موقفاً واعياً، يقوم على الفكر الأصيل، لا المحاكاة، والتقليد، وإن التدخل الأجنبي المعادي للإسلام في نظم الدول الإسلامية هوالسبب الوحيد لمعاناة الشعب المسلم في كل بلد إسلامي، وهذا التدخل يؤدي إلى كبت الحريات المدنية، وإبعاد النفوس الطيبة المخلصة عن مواقع النفوذ فضلاً عن مواضع القيادة.

إن هذا الوضع المأساوي الذي يعيشه المسلمون، نتيجة مباشرة لتمزّق كلمتهم، وانقسامهم إلى جماعات وفئات،وتفرُّقهم في العمل والجهود، وانتماءاتهم إلى أفكار ونظريات متصارعة، والبحث عن حلول القضايا في منابر الأعداء،مع أنه لا عزة ولا قوة للمسلمين -سواء كانوا عرباً أو عجماً- إلا بالإسلام،والإيمان الراسخ،وبالعمل بشريعة الله وسنة رسوله، وبالاعتصام بحبل الله المتين،يقول الله تعالى:”وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، “وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139]،فعزة المسلمين وغلبتهم منوطة بتمسكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم وتطبيق تعاليم دينهم في واقع حياتهم،فإذا حادوا عن شريعة الله تعالى، وهجروا كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستبدلوه بمناهج أخرى غربية وشرقية، وأصبحوا يبحثون عن العزة في غيره، أصيبوا بالذل والهوان، وسُلِّط عليهم شر الخلق.

إن العامل الأكبر لنجاح القوى العالمية الاستعمارية والعناصر المعادية للإسلام في أهدافها اليوم، هو إبعاد المسلمين عن الشعور بمنابع قوتهم ووزنهم وأهمية موقعهم في العالم، إنها تعمل جاهدة لإبعاد المسلمين من هذا الشعور، كما عملت جاهدة لإقصاء المسلمين عن تعاليم دينهم، وروجت فيهم أفكارًا منحرفة،ونظريات إلحادية،وفلسفات مضللة بالقوة.

فالحاجة اليوم هي بث الوعي الإيماني والديني في النفوس، وتنمية الشعور الإسلامي في المسلمين بأن منهج الإسلام هو خير المناهج، وإذا نقل هذا الشعور إلى حياتهم فإنهم  سيكونون خير الأمم، وكذلك لا بد من إيجاد الشعور في المسلمين بأنهم أمة عالمية ذات مواهب وذخائر طبيعية، ومواقع استراتيجية تؤثر على  السياسة العالمية والحركة العالمية وأنهم عنصر لا يستغني عنه، و بتصعد هذا الشعور، وقوة الإرادة، وحرية العمل، والاستقلالية، تتغيّر حالتهم، وتنمية هذا العنصر وتقويته يحمل حلاً للأزمات ومخرجاً للمشاكل التي يواجهها المسلمون في العالم.

ولقد انتشر الإسلام في الماضي بالحب والإخاء، والإيثار والتضحية، والصبر و احتمال المكروه، والحلم والأناة،وإسداء الخير والمعروف، والإخلاص في العمل، والاعتصام بالمنهج النبوي وطريق الصحابة والسلف،وهي عناصر يرتكز عليها العمل الإسلامي في جميع الظروف والأوضاع، في ظروف محنة وشقاء، وفي ظروف نعمة ورخاء.

فمسئولية الدعاة والعاملين في مجال العمل الإسلامي اليوم أن يبتعدوا عن موقف المجابهة لتجنُّب الإجراءات القاسية، ومنع فرض القيود على العمل الإسلامي، ومواصلة عمل الدعوة والتربية، وتشكيل الذهن، وإزالة المخاوف من النفوس بالنسبة للإسلام والعاملين للإسلام فهل من مجيب؟!.

 

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)

×