رمتني بدائها وانسلّت

هل هناك حلّ دبلوماسي لقضية ناغورني قره باغ؟
21 اکتوبر, 2020
إسرائيل والعالم العربي: ثمانية حروب وأربعة اتفاقات
22 اکتوبر, 2020

رمتني بدائها وانسلّت

– تابعنا بكل أسف وحسرة كما تابع جمهور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، التصريحات العدوانية الظالمة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي أتهم فيها الاسلام بأنه يعيش في أزمة في كافة دياره.

بيد أنه لم يوضح في تصريحاته الاستفزازية جوهر هذه الأزمة ومواصفاتها بدقة حتى يقف المتابع على صدق حديثه ونزاهة طرحه وصحة تحليله، بل اكتفى بصيغة العموم ليحدث ارتباكا في نفوس مستمعيه وتشكيكات في عظمة هذا الدين القيم.

وليس هذا بالتصريح الجديد الذي يفصح فيه هذا الفتى الغر عن حقده الدفين على دين الاسلام بل سبقته عدة تصريحات متطرفة حاول فيها جهده النيل من مكانة الاسلام والاساءة للمسلمين، ولكن أن له ذلك والشواهد تكذبه في جميع ادعاءاته الباطلة ومزاعمه الكاذبة.

إن نظرة عميقة في تاريخ هذا الدين تتسم بروح الموضوعية والاستقلالية العلمية، تؤكد بوضوح لالبس فيه ولا غموض، ان الاسلام لم يشهد ابدا أزمة في تاريخه الطويل وذلك منذ البعثة النبوية المباركة والى غاية يوم الناس هذا وقد عاش الملايين من أبنائه وغيرهم من سائر الملل في دياره الطاهرة وتحت ظلاله الوارفة، فلمس الجميع آثاره الطيبة وجنوا ثماره المباركة.

ولا يزال الاسلام وحتى يرث الله الأرض ومن عليها غضا طريا قويا في ذاته مستقلا في تشريعه متميزا في حدوده وآدابه، غنيا بعطائه مستعصيا على التطويع متحديا لكل تشويه يحل المشكلات ويفك المعضلات متى أقبل عليه المؤمنون ورضي بحكمه المسلمون.

إننا لا ننكر بأن للمسليمن أزمات كما لسائر شعوب العالم أزمات، لكنها أزمات تتعلق بحياتهم الاقتصادية والاجتماعية وليست أزمتهم في دينهم على الاطلاق، هذا وان رأس هذه الأزمات وعمودها هو الاستبداد السياسي الذي أخر نهضتهم وعطل طاقاتهم وفرض عليهم بقوة الحديد والنار وكم حاولت الشعوب الاسلامية التخلص من هذا الحمل الثقيل عن طريق الربيع العربي، لكنها صدمت بالغرب الديمقراطي العلماني الذي يدعم الاستبداد في الأوطان الاسلامية بكل الوسائل حفاظا على استمراره، كما يقوم بحماية أنظمته العميلة والتستر على جرائمها ضد الانسانية في المحافل الدولية، وان أكبر الدول الداعمة له والمكافحة عنه (( المدموزال ماريان ) (1) لأنها تدرك أن سقوط الاستبداد في العالم الإسلامي عامة والوطن العربي خاصة يعني نهاية مصالحها وعودة الاسلام الى سدة الحكم والقيادة من جديد وهو الأمر الذي تخشاه وتعمل على عدم تحقيقه بكل ما أوتيت من قوة ومكر.

لقد أبدى الرئيس الفرنسي من خلال تصريحاته الخاطئة ما كان يخفيه في نفسه بأنه يعيش حقا وصدقا وليس ادعاء ونطقا لا أقول في أزمة ولكن في أزمات داخلية وخارجية أرهقته كثيرا وأثقلت كاهله وستعصف بطموحه لا محالة في الفوز بعهدة رئاسية ثانية.

واليكم الدليل القاطع والبرهان الساطع على ذلك:

أخفق الفتى الذي لم يحلب الدهر أشطره في تحقيق الرفاهية والعيشة الهنية التي وعد بها شعبه في حملته الانتخابية فالاقتصاد الفرنسي يعيش في حالة انكماش، كما زاد حجم البطالة بشكل لافت للنظر وتراجع الدخل الفردي، مما أثار قلق الشعب، كذلك عدم الاستجابة للمطالب العمالية وهو الأمر الذي اضطر ما يسمى بالسترات الصفراء الى الانتفاضة ضده رفضا لسياسته الاقتصادية والاجتماعية، كما فشل في التحكم في الحد من انتشار جائحة كورونا فالموجة الثانية التي ضربت فرنسا قد حصدت آلافا من الأرواح كما رفعت من عدد الاصابات، أما سياسته الخارجية فقد كان الاخفاق فيها حليفه وذلك كلما ولج في الصراعات الدولية او الاقليمية ففي النزاع الليبي دعم الرئيس الفرنسي الانقلابي خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني، المعترف به دوليا، كما قام بدعم الحركات الارهابية الانفصالية الكردية في سوريا، نكاية في تركيا الاسلامية، وأخيرا وقوفه بجانب دولة اليونان في نزاع شرق المتوسط ضدها أيضا، بيد أن هذه الأخيرة قامت بالتصدي له سياسيا وعسكريا في كل مناطق الصراع فأحبطت جميع مخططاته الخبيثة فانكسرت شوكته ونكس رأسه وبناء على هذه الاخفاقات الداخلية والانتكاسات الخارجية التي تشكل في مجملها أزمة حادة له لم يصل اليها أي رئيس من رؤساء فرنسا السابقين، أراد صرف أنظار شعبه عنها وإشغاله بأباطيل وافتراءات على الاسلام الذي هو بريءمنها كما يعلم ذلك القاصي والداني.

ومن المعروف عن الغربيين أنهم لا يهتمون البتة بمثل هذا الكلام الزائف لأن ما يحرص عليه القوم هناك هو تحسين مستوى المعيشة والزيادة في الدخل الفردي لا غير، وهذه هي الحقائق عندهم، أما ما رام الرئيس الفرنسي تسويقه عبر تصريحات مضللة فيعتبرونه من الأوهام وقد يجدر بنا في الأخير أن نتمثل بقول العرب في بعض أمثلتها السائرة (( رمتني بدائها وانسلّت )) وهو ما ينطبق فعلا على تصريحات ماكرون التي بلغت به الى هذا الحد من الوقاحة وقلة الحياء بالاعتداء على الاسلام دين الله في الأرض والسماء.

(1) هو الرمز السياسي لفرنسا

 

(ميلود محجوب، الجزائر)