النجاة برحمة الله لا بمجرد العمل
6 سبتمبر, 2026لا تزدروا نعمة الله عليكم
عبد الرشيد الندوي
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
تخريج الحديث: أخرجه مسلم (2963)، والترمذي (2513)، وابن ماجه (4142).
شرح الحديث: إن نعم الله على العبد كثيرة لا تكاد تحصى، ظاهرةً وباطنة، ولكن من لؤم المرء وسوء نظره أن يظل شاخصا ببصره إلى ما عند غيره، فيتسخط ما يتقلب فيه من النعم، ويستصغر آلاء الله وأياديه عليه، ولا يزال طامحا مستشرفا إلى ما عند الناس. أما المؤمن الحقيقي فقانعٌ شكور، يعرف قدر النعمة، و ينبعث الشكر من كل منبت شعرة منه.
ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصل عظيم يحفظ على الإنسان الدين، والراحة، والهناء، فقال: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
وقد لفت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما نظر الرجل الذي جاء يشكو إليه البؤس والحرمان قائلا ” ألسنا من فقراءالمهاجرين؟ فقال له: «أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟» قال: نعم، قال: «أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟» قال: نعم، قال: «فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ»، فلما قال: إن لي خادمًا، قال: «فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ». فكم من إنسان يملك أصولًا عظيمة من النعم، ثم لا يشعر بغناه لأنه ينظر إلى ما عند غيره.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أصولًا هي من أعظم نعم الدنيا فقال: «مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». رواه الترمذي عن عبيد الله بن محصن وله شاهد. فالأمن والعافية والكفاية نعم عظيمة، إذا اجتمعت للعبد فقد أوتي من أسباب الراحة والسعادة ما يجدر معه المرء أن يعيش هانئا سعيدا .
ثم ليتأمل العبد ما عنده من نعم الله التي قد لا يعرف قيمتها، من البصر الذي يرى به، والسمع الذي يسمع به، والعقل الذي يفكر به، واللسان الذي يتكلم به، واليد التي يعمل بها، والرجل التي يمشي بها، وما من جارحة من الجوارح، وحاسة من الحواس، و موهبة من المواهب، إلا وهي نعمة من الله. وقد ألف الإنسان هذه النعم حتى صار لا يشعر بقدرها إلا حين يبتلى بفقد شيء منها.
ولذلك فينبغي للعبد أن يكون قانعًا شكورًا راضيا حامدا: ينظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه، فيعرف فضل الله عليه، وينظر في أمور الدين إلى من هو فوقه، فيقتدي به ويجتهد في الطاعة.
* * *

