تعريف وجيز عن الشيخ عبد الله محمد الحسني الندوي
(1957–2013م)
كان أستاذنا الشيخ عبد الله الحسني الندوي علمًا من أعلام ندوة العلماء البارزين، ونجمًا من نجومها الساطعة في سماء العلم والتربية الدينية والدعوة إلى الله، وباسلاً من بواسلها المدافعين عن الدين الحق، وفارسًا من فوارسها الجسور على قول كلمة الحق، مهما كلف ذلك، وافاه أجله المحتوم صباح السابع عشر من ربيع الأول 1434هـ المصادف الثلاثين من يناير 2013م، بعد حياة حافلة(56سنة) قضاها في تربية الجيل، والدعوة إلى الله، وتعريف الناس بالإسلام، وخدمة الدين وإرشاد الناس، والإشراف على العمل الإسلامي.
ولد الأستاذ الشيخ عبد الله الحسني في 29/يناير 1957م برائي بريلي، تلقى التعليم الابتدائي في بيته تحت إشراف والده الكاتب الإسلامي القدير محمد الحسني الرئيس المؤسس لمجلة "البعث الإسلامي" الصادرة بندوة العلماء، ثم تلقى تعليمه العالي في دار العلوم لندوة العلماء تحت إشراف أخي جده الطبيب الشهير عبد العلي الحسني رئيس ندوة العلماء الأسبق، العلامة المربي الحكيم الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، واستقى من نبعه الفياض، ونهل من منهله الصافي الثر، واستفاد من علومه الجمة، كما تتلمذ على سماحة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي، وفضيلة الشيخ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي، وفضيلة الدكتور سعيد الأعظمي الندوي، واستفاد من العلامة المحدث الجليل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ نور الدين عتر (سوريا) والشيخ عبد الله الأنصاري(قطر) والشيخ عبد الله بن علي المحمود (الشارقة) والعلامة يوسف القرضاوي، وآخرين من علماء الدول العربية ومشائخها خلال زيارتها، وتخرج في دار العلوم لندوة العلماء عام 1977م بعد إكمال مرحلتي العالمية والفضيلة، وأخذ الإجازة في الحديث النبوي الشريف من العالم الرباني المحدث الشيخ محمد أحمد البرتاب جرهي، وهو أخذ الإجازة من العالم الرباني المحدث الشيخ فضل الرحمن الكنج مرادآبادي الذي يعد سنده عالياً في الهند، وأخيراً أجازه المحدث الشيخ محمد يونس شيخ الحديث بجامعة مظاهر علوم بسهارنفور أثناء إقامته بالمدينة المنورة، ثم عين مدرساً في دار العلوم لندوة العلماء، فدرس تفسير القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف وعلومه نحو ثلاثين سنة، واتصل بالعلامة المحدث الجليل محمد زكريا الكاندهلوي اتصال بيعة واسترشاد، ثم اتصل بإيعاز من شيخه بالشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي صلة بيعة واسترشاد.
وكان أستاذنا الشيخ عبد الله الحسني الندوي مدير تحرير صحيفتنا "الرائد" فكتب افتتاحيات ومقالات في بيان فضل الإسلام على الحضارة الإنسانية، وعرض صورة الإسلام النقية، ودحض الحضارة الغربية وأباطيلها، وصد الغزو الفكري الثقافي الغربي، وإقناع النفوس بجدارة الإسلام وصلاحيته لقيادة العالم، وحل مشاكل الإنسانية وأزماتها، ومعالجة مشكلات الدعوة الإسلامية التي كانت له فيها خبرة شخصية وتجربة واسعة، فعاش الفقيد الكريم عمره المبارك، يعلم ويدرس، يربي ويصلح، يدعو إلى الله ويرشد، يكتب ويخطب، ينصح ويعظ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مع حكمة بالغة، وبأسلوب متزن وسط، ورفق وبصيرة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
وكان أستاذنا الشيخ عبد الله الحسني الندوي علما من أعلام الهدى، ولساناً من ألسنة التوحيد، وداعياً إلى الله مخلصاً، ومربياً حكيماً من المربين للجيل الناشئ المسلم، وكان مثلاً عالياً للخلق النبوي الكريم في سائر حياته، واستفاد من علمه الجامع وتربيته المسلمون في الهند وخارجها، عن طريق اللقاء والمشافهة، وعن طريق الكتاب والمراسلة، وعن طريق الهواتف ووسائل أخرى.
وكان أكبر همّه الدعوة إلى الله، وإلى التوحيد الخالص، وتصفية العقيدة من الشرك، واتباع السنة النبوية الشريفة في كل شأن من شئونه، فكانت الدعوة إلى الله هوايته المحببة، يتذوق بها ويتلذذ، وكان لا يخاف لومة لائم في قول كلمة الحق، والنكير على الانحراف عن جادة الحق، والمنهاج النبوي، والأسوة المحمدية على صاحبها ألف ألف تحية وسلام. وقد ورث الشيخ هذا الهمّ عن أجداد أسرته الحسنية التي شعارُها عير العصور" التمسك بالعقيدة الصافية النقية، والدعوة إلى التوحيد الخالص، واتباع السنة النبوية، واختيار منهج السلف الصالح، ومحاربة البدع والخرافات، ومكافحة التقاليد الجاهلية".
وقد قام الشيخ الفقيد بعمل الدعوة إلى الله وتعريف الناس بالإسلام بغاية من الصمت والهدوء، ولم يؤسس لذلك مؤسسة، ولا اختار لافتة، ولا دعاية إعلامية، فانتشر عمله في سائر مناطق البلاد، وكسب النفوس والعقول، واهتدى بجهوده أناس كثيرون، ومما يميزه عن الدعاة الآخرين هو عنايته بتعليم المهتدين وتريتهم وإعاشتهم، فكانت حياتها كلها دعوة، وصورة صادقة للخلق النبوي الكريم.
وكان للشيخ أمل كبير في الشباب المسلمين المتخرجين من الجامعات العصرية، والمهتدين الجدد لأنه يعتبرهم دما جديدا للإسلام، فلذلك كانت عنايته مركزة عليهم، وكان طلاب الكليات العصرية بالإضافة إلى طلاب المدارس الدينية، يلتقون به ويستشيرونه في شئونهم الخاصة، وكانت له حلقة تربية وتوعية بنظام، يخصها بقراءة كتاب من كتب أحد المجددين والدعاة، يحضرها الناس، يستفيدون من توجيهاته السديدة، وهو ينير لهم الدرب، ويبذل لهم وده، وقلما يرى وحيداً في مجلسه أو تجواله إلا وكان يصحبه الطلاب والشباب المثقفون، وكانوا يرون فيه أباً لهم شفيقاً.
وسع الشيخ عمل حركة رسالة الإنسانية التي أسسها جده العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، وعقد اجتماعات مشتركة حاشدة في مختلف أنحاء البلاد، وأجرى اللقاءات والمقابلات الشخصية مع الطبقة المثقفة وأصحاب الفكر والقلم من غير المسلمين، وتحدث معهم بأسلوب مقنع، فزال بجهوده ما علق بأذهان كثير منهم من شكوك وشبهات حول الإسلام وتعاليمه، حتى اعتنقوا الإسلام، فكانت له شبكة منظمة واسعة النطاق، تقوم تحت توجيهه وإرشاده، بعمل الدعوة والتعريف بالإسلام في صمت وهدوء، وبجد وصرامة، وحماس ديني ورعاية طبيعة البيئة والعصر.
لقد كانت في الشيخ مجموعة من المكارم والفضائل؛ قل أن تجتمع في إنسان، لقد كان رجلاً مستقيم العقيدة، نقي الإيمان، سليم الفكر والمنهج، لا تعرف الخرافة ولا الشركيات إلى عقله سبيلاً.
كان رباني الأخلاق والسلوك، فهو قوي المراقبة لربه، شديد المحاسبة لنفسه، طويل الوقوف بين يدي ربه، يطيل الركوع والسجود تلذذاً بالمناجاة، وكان الأب البار لأهل بيته، والقريب الوصول لقرابته، والجار المحسن لجيرانه، والأخ المؤثر لإخوانه، المؤمن الغيور على دينه، والمسلم الصادق في إسلامه، والإنسان الكريم في إنسانيته.
وكان رجلاً سليم الصدر؛ لا يحقد على أحد، ولا يضمر لأحد غلاً ولا شراً، عف اللسان، لا ينطق بكلمة فحش، لا جداً ولا هزلاً، ولا يذكر أحداً بسوء، لا حضوراً ولا غيبة، سخي النفس لا يضن بجهد ولا مال في سبيل الحق الذي يؤمن به، حيياً يخجل من أي نكتة خارجة، ويحمر وجهه خجلاً من أي كلمة منكرة، كان مربياً بالفطرة والدراسة والخبرة، يحمل أبداً روح الأبوة الحانية، والإيجابية البانية، والأستاذية الهادية، عاملاً في سبيل الحق والخير والهدى، لا يدخر وسعاً، ولا يبخل بجهد ولا بنفس، ولا مال، لنصرتها، ذا ملكة نقدية تكتشف العوج بيسر، وتلاحظ الخطأ بسهولة، ولكن تحاول العلاج، وتجتهد في التقويم.
كان متسامحاً سهلاً هيناً ليناً، يكره العنف، ويذكر الغلظة والفظاظة، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن، ويؤثر التفاهم والحوار مع الآخر، أياً كان خلافه في الدعوة والتوعية أو الفكر والتعليم، وهو مع هذه السماحة والسهولة يحمل قلباً يشتعل غيرة على دينه، وشريعته وأمته، وعقلاً يتوهج تفكيراً في مخارج لها من أزمتها، وإرادة صلبة، لا تلين في مواجهة الباطل والردة الفكرية، وإيماناً راسخاً وإيقاناً قوياً بالعقيدة النقية الصافية الخالصة مهما كانت الظروف، فلا يخاف لومة لائم في تعليم عقيدة التوحيد الخالصة.
وللشيخ مقالات كثيرة بالعربية والأردية منشورة في صحيفة الرائد العربية ومجلة "تعمير حيات" الأردية، ومجلات أخرى، وقد نقل عددا من خطب وكلمات الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي إلى العربية والأردية وكان أسلوبه متسماً بجمال العبارة، وغزارة المعنى، وروعة البيان، والوضوح والعذوبة، والتأثير، وقوة العاطفة، تشهد بذلك افتتاحياته في "الرائد".
وكان يرأس كثيراً من المدارس الدينية والمعاهد التعليمية العصرية، ويشرف على عدد كبير من الجمعيات التعليمية والخيرية والدعوية، كما كان عضواً في كثير من المؤسسات والمراكز العلمية في الهند وخارجها، وكان يتمتع بشعبية كبيرة في المسلمين والإخوة المواطنين على السواء، وكان محبوباً لدى كبار العلماء الربانيين والمصلحين. وزار عددا من البلدان العربية، ومنها ماليزيا، ومصر، والإمارات المتحدة العربية، وأفريقيا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية، وشارك في الندوات والمؤتمرات العالمية.
رحم الله الشيخ عبد الله الحسني الندوي وغفر له، وكتبه في المحسنين، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وعوض الله الأمة الإسلامية عنه خيراً.

