تعريف موجز عن
الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي
د. محمد وثيق الندوي
ولادته وتعليمه الابتدائي:
ولد شيخنا محمد واضح رشيد الحسني الندوي في 3/شعبان عام 1352هـ المصادف 20/نوفمبر 1933م في دائرة الشيخ علم الله الحسني ببلدة رائي بريلي في الولاية الشمالية (اترابراديش) الهند، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في رائي بريلي، فتلقى التعليم الابتدائي من أمه الحنون، فكانت تقص عليه قصص الأنبياء والصلحاء، وكان لهذه القصص دور كبير في تكوينه الديني، وبناء شخصيته الإسلامية، وتعلّم قراءة القرآن من الأستاذ أبو بكر الحسني ثم تتلمذ على الشيخ عزيز الرحمن الحسني كما قرأ عليه الكتب الابتدائية للغة الأردية والفارسية، وبعد إكمال هذه المرحلة قرأ الكتب البدائية والتحق بالمدرسة الإلهية في مدينة رائي بريلي، حيث أكمل المرحلة الابتدائية والثانوية.
تربيته الدينية:
كانت جدّته من جهة الأم مربية حكيمة، تقص عليه قصص كبار العلماء والصلحاء في الأسرة وغيرها وتراقب على عاداته ونشاطاته أشد المراقبة، وتنبه على الأخطاء، وكان بيتها ملاصقاً لبيته، ولذلك كان تحت عينها كل وقت، وكانت إمرأة صالحة عابدة زاهدة، وأديبة شاعرة، وكانت تؤكد على المحافظة على الصلاة وأدائها في مواعيدها، ولا تحتمل أي تكاسل ومداهنة أو عذر في هذا الصدد، بل تؤاخذ على ذلك أشد المؤاخذة، وكانت نساء البيت يشتغلن بالمناجاة تحت إشرافها بصورة جماعية، فكان هذا الجو الديني يلعب دوراً حسناً في تكوين ذوقه الديني وينشِّئُه على حياة الصلاح والصدق والعفاف، كما كان يُنشد كتاب "صمصام الإسلام" وهو يشتمل على تاريخ الإسلام ووقائعه، فيطلع بقراءته وسماعه على روائع التاريخ الإسلامي، تترسخ فيه عظمة التاريخ الإسلامي، وبه يتكون فيه الذوق الدعوي والإصلاحي والحركي.
وبعد ما انتقل إلى لكناؤ دخل في تربية خاليه الدكتور عبد العلي الحسني والشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، وكان خاله الأكبر جامعاً بين أصناف العلم وضروب الكمال وأشتات الفضائل، وكان خير نموذج للجمع بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، فكان يقرأ ويطالع تحت إشرافه.
في دار العلوم لندوة العلماء
التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1944م قبل ثلاث سنوات من استقلال الهند، دخل في السنة الأولى من العالية، فأكمل مرحلة العالمية ومرحلة الاختصاص في اللغة العربية وآدابها عام 1951م، ثم قضى فيها سنة كمدرس مساعد بجنب دراساته المتخصصة في الأدب العربي وتاريخه ومصادره تحت إشراف وتوجيه خاله العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، ووسع الثقافة الأدبية والإسلامية.
وتعلم اللغة العربية على الشيخ محبوب الرحمن الندوي الأزهري والشيخ محمد عمران خان الندوي الأزهري، فكانا يتكلّمان باللغة العربية بلهجة عربية خالصة، فتأثر بلهجتهما، ودخل في قلبه حبُ اللغة العربية. وكانا يُصرّان على أن يتكلم كل طالب باللغة العربية. وكانت منهج تدريسهما منهجاً مباشراً، فكان الشيخ محبوب الرحمن الأزهري يَخْرُجُ بالطلبة إلى الحديقة ويعرّف الأشياء والفواكه وما يُوجَد في تلك البيئة من الأشياء باللغة العربية، كذلك كان بجوار ندوة العلماء نهر "غومتي" فكان يخرج بالطلبة إلى شاطئ النهر، يعرِّفهم بالماء والسمك والرمل والحجارة والأشجار باللغة العربية. فتعلم اللغة العربية مباشرةً بدون كتاب، فهذا طريق مباشر لتعليم اللغة العربية كان في ذلك الوقت سائرا في ندوة العلماء في المرحلة الابتدائية، وكان نفس هذا المنهج للعلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي أيضاً، فدخل في قلبه حُبُّ اللغة العربية بهذا المنهج للتعليم.
وبعد التخرج في دار العلوم لندوة العلماء أكمل دراسته الثانوية العصرية في مدرسة رسمية، وأخذ شهادة الليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة عليكره الإسلامية عام 1953م. وأما الدراسة في علي جراه الإسلامية فلم يدرس فيها بصورة منتظمة، وقد أدى الامتحان فيها في اللغة الإنجليزية وآدابها خلال وجوده في دلهي، وخلال الامتحان كان يلتقي ببعض الأساتذة والطلبة الدارسين فيها.
الشخصيات والكتب التي تأثر بها
من الشخصيات التي أثرت فيه واستفاد منها، الشيخ حسين أحمد المدني الذي كان يخوض معركة تحرير البلد من الإنجليز، والعالم الرباني الشيخ عبد القادر الرائ فوري، وكانا يترددان إلى مدينة لكناؤ، فكان يستفيد من مجالسهما، ومنهم العلامة أبوالكلام آزاد الذي كان يزور ندوة العلماء وخاصة خلال وجود العلامة السيد سليمان الندوي في ندوة العلماء، فكان يقتبس منه الأفكار.
وقد استفاد من عدد من العلماء من غير صورة نظامية، وبعض العلماء بصورة نظامية خلال الدراسة المنتظمة، فمن العلماء الذين استفاد منهم بصورة غير نظامية: العلامة السيد سليمان الندوي الذي كان مستشاراً تعليمياً لندوة العلماء في عهد دراسته بها، وهو من أخص تلامذة العلامة شبلي النعماني، ومن العلماء الذين استفاد منهم بصورة نظامية: العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، والمحدث الشيخ حليم عطاء السلوني شيخ الحديث بدار العلوم لندوة العلماء، والشيخ محمد أسباط وهو من تلاميذ الشيخ عين القضاة، والشيخ عبد الحفيظ البلياوي صاحب مصباح اللغات، والدكتور عبد الله عباس الندوي، والشيخ محبوب الرحمن الأزهري، والشيخ محمد عمران خان الندوي الأزهري، والشيخ محمد إسحاق السنديلوي، والشيخ محمد أويس النجرامي الندوي، والشيخ أبو العرفان خان الندوي، والشيخ المفتي سعيد أحمد، ودرس الإنكليزية على الأستاذ عبد السميع الصديقي، والشيخ نور الحسن، والشيخ أحمد الأعظمي، والشيخ محمد إسحاق السنديلوي.
وكان يلتقي بالعلماء الربانيين والدعاة والمصلحين وأصحاب القلوب ويجالسهم، وقد قضى وقتاً في صحبتهم، ومنهم العالم الرباني الشيخ عبد القادر الرائفوري، وشيخ الإسلام الشيخ حسين أحمد المدني، والشيخ محمد يوسف الكاندهلوي، والمحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، والشيخ يعقوب المجددي، والشيخ عبد الرحيم المجددي، والشيخ محمد أحمد البرتابكرهي، والشيخ أبو الليث الإصلاحي الندوي.
ومن الكتب المحببة لديه: تفسير النسفي، وتفسير الخازن وكان يعدهما أقرب التفاسير إلى فهم معاني ألفاظ القرآن الكريم وروحه، وسيرة ابن هشام، وكتب "السيرة النبوية" و"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" و"الطريق إلى المدينة" للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، و"التصوير الفني في القرآن" و"العدالة الاجتماعية في الإسلام" لسيد قطب الشهيد، و"السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" للدكتور مصطفى السباعي، و"التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي" للشيخ عبد القادرعودة، وقد درس مصادر الأدب العربي: "البيان والتبيين" للجاحظ، و"الكامل" للمبرد، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة، و"أمالي للقالي"، وكان يؤثر أدب الكاتب، وقرأ المعلقات السبع، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، ودواوين الشعراء كأبي تمام والبحتري والمتنبي وأبي العلاء المعري، وطبقات الشعراء لابن سلام الجمحي، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وكتاب البديع لعبد الله بن المعتز، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، وكذلك قرأ كتب جبران خليل جبران في الأدب، وكتب المنفلوطي، والدكتور طه حسين، وبعض روايات علي الجارم، وكتب مصطفى صادق الرافعي، والعقاد، والدكتور أحمد أمين، ومؤلفات أمير شكيب أرسلان، والدكتور محمد كرد علي، ومحب الدين الخطيب، وكان يؤكد على قراءة كتاب ناصيف اليازجي في البلاغة، وقرأ الكتب الإنجليزية للمفكرين كالسيدة مريم جميلة والدكتور محمد أسد وغيرهما من المهتدين من أصحاب الفكر في الغرب بسبب معرفته للغة الإنجليزية، فاستفاد منها مباشرة، وقرأ كتاب مريم جميلة: " Western Civilization Condemned By Itself " وكتاب: "An Encyclopedia of World History, by William L. Langer"، وقرأ كتب المستشرقين الحاقدين منهم والمنصفين.
الشخصيات العالمية البارزة التي التقى بها واستفاد منها
التقى بالدكتور تقي الدين الهلالي المراكشي، والشيخ خليل عرب، والشيخ محمد المبارك، والشيخ علال الفاسي، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ أحمد الشرباصي، والشيخ أحمد شلبي، والدكتور معروف الدواليبي، والأستاذ محمد قطب، والمفتي أمين الحسيني، والدكتور كامل الشريف، والصحافي البارز مصطفى أمين مؤسس صحيفة "الأخبار" والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ بهجة البيطار، والشيخ عمر التلمساني، وشيخ الأزهر عبد الحليم محمود، والدكتور أنور الجندي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور عبد الحليم عويس، الشيخ سعيد رمضان البوطي، والدكتور عبد الرحمن حبنكة الميداني، والدكتور شوقي ضيف، والشيخ صالح العشماوي رئيس تحرير مجلة"الدعوة"، والشيخ متولي الشعراوي، والشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف، والشيخ يوسف القرضاوي، وهم قادة الفكر الإسلامي في العالم العربي، وأخذ من مجالستهم العاطفة الإسلامية، والذوق الإسلامي العالي، وسليقة الكتابة لخدمة الدعوة الإسلامية.
دراسته الوسعة
كان خلال عمله في القسم العربي بإذاعات عموم الهند بدلهي يتردد إلى مكتبة مولانا أبي الكلام آزاد في "راج بهون" وكان مدير هذه المكتبة أحد معارفه، فكان ينتهز الفرصة بعد أداء المسئولية الإذاعية، ويقضي وقتاً في هذه المكتبة، وفي هذه المدة كانت تتاح له فرصة مطالعة الجرائد والمجلات العربية والكتب الفكرية في مكتبة الإذاعة التي كانت تشتمل على كتب قديمة وكتب جديدة، فسُنِحَت له فرصةُ الاطلاع على الأدب العربي القديم والحديث، وقرأ كتابات الأدباء والمفكرين العرب في الرواية والقصة والمسرح، إلى جانب استزادته من دراسة الأدب الإنجليزي والفكر الغربي دراسة مباشرة، واطلاعه الواسع على الإعلام الغربي والصحافة الإنجليزية ومجلاتها الراقية المتخصصة الصادرة من الغرب، ومن ناحية أخرى كان يلتقي بحكم مهنته واشتغاله بالإذاعة مع قادة الشرق والغرب السياسيين والمثقفين ورؤساء الأحزاب والجماعات المختلفة الاتجاهات الذين كانوا يقومون بزيارة الهند، فتتاح الفرصة لإجراء مقابلات إذاعية معها، ومنها كانت شخصيات سياسية عالمية من دول العرب، فكان يُجرِي معهم المقابلات الصحفية، ويكتب عن موضوع الساعة، ويقوم بتحليل الأحداث الهامة، والتعليقات الإذاعية، إلى جانب نقل الأخبار من الإنجليزية إلى العربية على الهواء مباشرة، واستفاد من أحاديث المذيعين العرب.
وعلاوة على ذلك استفاد من مكتبة الجامعة الملية الإسلامية، ومكتبة المدرسة المجاورة للجامع الفتحبوري التي كانت تابعة للمدرسة الإنجليزية، وكذلك استفاد من مكتبة جامعة جواهر لعل نهرو، وكان فيها بعض زملائه كالدكتور منور نينار والدكتور مسعود الرحمن، والدكتور محمود الحسن، أتيحت له الفرصة للاستفادة من مكتبتها وتبادل وجهات النظر مع الشخصيات العلمية والفكرية العالمية كما استفاد من مكتبة الجامعة الإنغلوعربية وأساتذتها.
فهذه المطالعات والقراءات واللقاءات كانت تساعده في تكوين الفكرة والمعرفة الحديثة والذوق الأدبي والتاريخي، كما توسعت في هذه الفترة ثقافتُه الإنجليزية ومعرفتُه عن سياسة الغرب وحياتهم الاجتماعية والثقافية والأفكار والاتجاهات الأوربية في الفكر والأدب والثقافة.
واستفاد من مطالعة الصحف والجرائد والمجلات العربية والإنجليزية والمعالجات للقضايا الإسلامية وأوضاع المسلمين في العالم كله، فاستخدم خبراته الصحفية وملكته الكتابية الأدبية لتقوية الصحافة الإسلامية ولسان حالها صحيفة "الرائد" ومجلة "البعث الإسلامي تحت إشراف خاله سماحة الشيخ الندوي وتوجيه العلمي والدعوي، فرافقه في جولاته الدعوية في الهند وخارجها، فشاهد الحضارة الغربية في عقر دارها (لندن) كما زار مدينتي استنبول والقاهرة اللتين سبقتا في الاحتذاء بحذو الغرب وتقليده.
حياته العملية
في عام 1953م عين أساسياً لقراءة المواد الإذاعية التي كانت يعدها المترجمون العرب في إذاعة عموم الهند، وكان يصعب على بعضهم الحضور شخصياً لقراءتها في ساعة متأخرة في الإذاعة المسائية، ثم عين في إدارة البرامج ومساعدة المسئولين عنها، ثم فوضت إليه مسئولية استماع البرامج العربية من الإذاعات الأجنبية وتقديم ملخص هذه البرامج باللغة الإنجليزية إلى المسئولين، وفي المرحلة الثالثة عين مساعد رئيس القسم العربي، وفي المرحلة الرابعة انتقل إلى منصب مذيع ومترجم، وكان القسم العربي في ذلك العهد استولى عليه المذيعون المترجمون العرب الذين كانوا منتمين إلى بلدان مختلفة عربية عريقة مثل العراق وسوريه ومصر وفلسطين، وكان فيهم أدباء، وقصصيون، وكان منهم صحافيون واستفاد منهم خبرتهم.
ثم ترك الوظيفة في إذاعة عموم الهند، وفضّل عملية التدريس في دار العلوم لندوة العلماء، على الوظيفة الحكومية مع أن هذه الوظيفة كانت تدر عليه مالا طويلا، وأما السبب الرئيسي لذلك هو إمتعاضُه من الجو المادي الجامح في الإذاعة، والتأثر الشخصي بالشيوخ الكبار أمثال الشيخ عبد القادر الرائيبوري والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي والشيخ محمد يوسف الكاندهلوي والشيخ إنعام الحسن الكاندهلوي، فقد كان يزور في ذلك الوقت مركز نظام الدين وسهارنبور ورائبور لقضاء وقت في صحبة هؤلاء المشايخ والعلماء الربانيين لتزكية النفس وتحصينها من مفاسد الجو المادي وشروره، كما يتردد إلى مركز الجماعة الإسلامية التي كان رئيسها في ذلك الوقت الشيخ أبو الليث الإصلاحي الندوي الذي درس في دار العلوم لندوة العلماء وكانت له صلة بمسئوليها، وكذلك كان خاله الشيخ أبو الحسن الندوي أحياناً يزور دلهي ويوصيه بالاستفادة من هؤلاء العلماء، فأثارت صلتُه بالعلماء عاطفة دينية كامنة في نفسه وغلبت هذه العاطفة على الجوانب المادية، وقبل هذه البيئة الدينية عندما أتيحت له الفرصة لقضاء فترة في دار العلوم لندوة العلماء في غياب أخيه الأكبر الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي لأداء الحج، وأسند إليه تدريس المواد التي كان يدرسها، وفي هذه المدة وجد بيئة صالحة في ندوة العلماء، واستشار الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي فأمره بترك الإذاعة والانتقال إلى جو ديني، وقبل هذا الأمر بدون استشارة أحد، وقدم الاستقالة، فأثارت الاستقالة قضية في الإذاعة، ولم تقبل إلا بعد أشهر، لأن المسئولين كانوا استغربوا لهذا الأمر، فقاموا بتحقيق لمعرفة خلفيات الاستقالة ولم يقبلوا إلا بعد أن صرح لهم شخصياً أنه قد اتخذ هذا الإجراء إيثاراً وتضحية لا لمنفعة مادية.
ففي عام 1973م عيِّن مدرساً في دار العلوم لندوة العلماء، وفوض إليه تدريس المواد الأدبية، ثم عين مدير المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي الذي أنشأه سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، ثم عميد كلية اللغة العربية وآدابها، وأخيراً في عام 2006م انتخب رئيس الشؤون التعليمية لندوة العلماء.
وخلال عمله في دار العلوم لندوة العلماء أدخل عدة مواد دراسية لم تكن من المقررات الدراسية التعليمية التقليدية، لكنها من المقررات الدراسية في الجامعات العصرية، كالأدب العربي الحديث، والفكر الإسلامي، والغزو الفكري، والنقد الأدبي، وعلم الاجتماع، وعلم النفس في المراحل الأخيرة بتأييد سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي وشقيقه الأكبر الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي.
وبدأ يكتب في صحيفة الرائد من عددها الثامن عشر من سنتها التاسعة عام 1968م، وفي مجلة البعث الإسلامي من عددها الثاني في مجلدها الثامن عشر عام 1973م، وعين رئيس تحرير الرائد في أول فبراير عام 1974م (العدد:15، والسنة:15) ثم عين مشاركاً في رئاسة مجلة البعث الإسلامي عام 1979م(العدد الأول، المجلد:24). وقد حاول شيخنا دائماً أن يقدم فكرة خاله الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، والفكر الإسلامي السليم، وكان يحاول أن يستخدم لغة صحفية، ويتابع الأسلوب التحليلي الحديث.
ولم يزل يكتب في صحيفة "الرائد" ومجلة "البعث الإسلامي" إلى وفاته بجانب اشتغاله بالتدريس والإشراف على عملية التعليم والتربية، والنشاط الإعلامي، وإعداد الطلاب وتربيتهم وتغذيتهم بالفكر الإسلامي لمواجهة الغزو الفكري، فتخرَّج عليه جيلٌ ينتشرون في مختلف أنحاء العالم، وهم يعرفون بخريجي " مدرسة الرائد " التي كانت تُوفِّر تحت توجيهه وإشرافه زاداً علمياً وتربوياً منذ أكثر من خمسين سنة، كما صدرت تحت إشرافه مجلةٌ إنجليزيةٌ شهرية (The Fragrance of East) من ندوة العلماء.
و زار المملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات المتحدة العربية، وتركيا، وباكستان، وبنجلاديش، وعمان، ودولة قطر، وكذلك زار بريطانيا، وشارك في المؤتمرات العالمية وقدم فيها مقالات وبحوثاً علمية والتقى فيها بنخبة العالم الإسلامي أمثال سعيد رمضان البوطي والدكتور عمر فروخ والدكتور عمر بهاء الأميري وبعض الملوك والحكام أمثال الملك فيصل والأمير حسن طلال والرئيس الباكستاني فاروق لغاري.
مناصبه ومسئولياته
شغل شيخنا منصب مدير للمعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي، وعميد لكلية اللغة العربية وآدابها بدار العلوم لندوة العلماء لكناؤ، ورئيس التحرير المشارك لمجلة "البعث الإسلامي" ورئيس التحرير لصحيفة"الرائد" والسكرتير العام للمجمع الإسلامي العلمي، والأمين العام لرابطة الأدب الإسلامي العالمية لشبه القارة، ورئيس الشؤون التعليمية لندوة العلماء، ونائب رئيس دارعرفات برائي بريلي، ورئيس مدرسة فلاح المسلمين بأمين نجر تيندوا في رائي بريلي، وكان عضو مجمع أبي الكلام آزاد بلكناؤ، وعضو الهيئة الاستشارية لدار العلوم بستي، وعضو مجلس التعليم الديني بلكناؤ.
ملامحه البارزة:
تناول الكتاب والمتحدثون حول حياة المفكر الإسلامي الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في حياته من خلال التعريف به في مناسبات تكريمه في حفلات الاستقبال، أو التعريف به قبل محاضراته في الاجتماعات والملتقيات، أو التقديم لكتبه وبعد وفاته في كلمات التأبين والعزاء، نشأتَه وصلاحياته العلمية وعوامل بناء شخصيته وتكوين أفكاره ومؤلفاته، ودوره في مجال عرض الفكر والمنهج الإسلامي السليم وترشيد الصحوة الإسلامية، وكشف القناع عن الاستعمار الغربي والمخططات والمؤامرات الغربية ضد الإسلام والمسلمين، ومكافحة الاتجاهات الملحدة والتيارات المعادية للإسلام، ودحض الأساطير الغربية، وفشل الحضارة الغربية في إسعاد الإنسانية، وإثبات جدارة الإسلام وصلاحيته للقيادة والسيادة، وبيان فضل الحضارة الإسلامية على الإنسانية، ونقده المتزن للحضارة الغربية والفكر الغربي وتاريخ أوربا الملئ بسفك الدماء والتدمير، وإسهاماته في مجالات التعليم والتربية وإعداد الجيل وتربيته، وما نالت حياته ومؤلفاته وأفكاره ومنهجه في الإصلاح والعمل من القبول والتقدير، ولا شك أن هذه المعلومات تشكل مواد ترجمة شخصية، ويركز عليها الباحثون في تراجم الرجال عادة.
وقد سارت المقالات التي دبجها يراع المحبين لشيخنا على هذا المنهج، ولذلك يجد المتصفح لهذه المقالات والبحوث مماثلة وأحياناً تكراراً فيها، وقد تعرض بعض الكتاب المتصلين به والدارسين لشخصيته للمزايا الشخصية، وحاولوا أن يكتشفوا سر نبوغه وما لقيه من حب تلامذته وإجلالهم له، وتفوقه على أقرانه ومعاصريه من الكتاب وأصحاب الفكر الإسلامي.
لا شك أن النشأة والتعليم والنشاطات في الحياة والتعامل مع الناس، واتخاذ المواقف في مختلف مراحل الحياة، والسلوك مع مختلف أفراد المجتمع، لها أهمية ينظر في منظورها إلى الشخصيات التي لعبت دوراً بارزاً في أي مجال من مجالات الحياة، ويركز عليها الباحثون في دراستهم.
وقد ذكر شيخنا في عدة حوارات له أو ذكر لي شخصياً، نشأته وصوّر البيئة التي نشأ وترعرع فيها، وشغفه بالعلم، وغرامه بالقراءة والكتابة، وذكر الشخصيات التي اتصل بها واستفاد منهم، والحركات التي ارتبط بها، والذي يدرس حياته الشخصية بدقة ويتعمق في عناصر كمالها ونبوغها، ويبحث عن العنصر الحقيقي الباعث على بروز هذه الشخصية، يكتشف سمة تتميز بها هذه الشخصية عن غيرها من أقرانها، وأعتقد أن هذه السمة الرئيسية التي تجلت في سائر مراحل حياته، كانت التحمس لعرض الفكر الإسلامي وعاطفة مقاومة الفكر الغربي والمادي، والافتخار بالتاريخ الإسلامي، وإصابة المحز في اتخاذ الموقف وإبداء الرأي الصائب، كما كان في طبيعته الخاصة في غاية من الحلم والمروءة، والتسامح والتواضع، واحترام رأي مشايخه ومعاصريه، بل مع من هو أدنى منه، إلا أنه مع اتصافه بهذه الطبيعة المتسامحة، ورقة الشعور ولين القلب، كان متصلباً في عقيدة التوحيد النقية الصافية، وصارماً في موقفه إزاء الإساءة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وصحابته البررة، ومتمسكاً بمنهج السلف.
كتبه
وأما عدد كتبه المطبوعة فبلغ أكثر من عشرين كتابًا بالعربية، وهي فيما يلي:.
1ـ أدب الصحوة الإسلامية.
2ـ الدعوة الإسلامية ومناهجها في الهند.
3ـ حركة التعليم الإسلامي في الهند وتطوُّر المنهج.
4ـ تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي.
5ـ من صناعة الموت إلى صناعة القرارات.
6ـ نحو نظام عالمي جديد.
7ـ حركة رسالة الإنسانية.
8ـ الإمام أحمد بن عرفان الشهيد.
9ـ مصادر الأدب العربي.
10ـ أدب أهل القلوب.
11ـ المسحة الأدبية في كتابات الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.
12ـ الشيخ أبو الحسن علي الندوي قائدًا حكيمًا.
13ـ مختصر الشمائل النبوية.
14ـ تاريخ الثقافة الإسلامية
15ـ من قضايا الفكر الإسلامي: الغزو الفكري.
16ـ أعلام الأدب العربي في العصر الحديث.
17– لمحات في السيرة النبوية والأدب النبوي.
18– سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم.
19– الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: منابع فكره ومنهج دعوته.
20– الرحلات الحجازية ومناهج كتابها في العصر الحديث.
21– صور وأوضاع(المجلد الأول).
22– ندوة العلماء حركة علمية وثقافية وتوجيهية.
23- الصامدون
24-تاريخ النقد الأدبي العربي
كتبه غير المطبوعة:
1ـ تاريخ الأدب العربي في العصر العباسي.
2ـ شعر الغيرة الإسلامية.
ترجماته بالعربية:
1ـ فضائل القرآن الكريم، ترجمة كتاب الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي
2ـ فصائل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ترجمة كتاب الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي.
3ـ الدين والعلوم العقلية، ترجمة كتاب الشيخ عبد الباري الندوي.
توفي الشيخ في 16/ يناير 2019م، رحمه الله رحمة واسعة

