انعقاد ورشة ليومين حول “تفهيم الشريعة” في رحاب دار العلوم
6 يوليو, 2026القاضي س. مرليدهر: تجاهل الأدلة على جرائم غزة يقوض العدالة الدولية
27 يوليو, 2026اعتداء على التراث الحضاري في الهند
القاضي السابق ماركاندي كاتجو
تعرَّض مديرُ إحدى المدارس في ولاية تلنغانة مؤخرًا لاعتداء وحشيٍّ كاد يودي بحياته على أيدي عناصر متطرفة من اليمين، لمجرد أنه اهتم بتدريس اللغة الأردية في مدرسته، وقد أوضح المدير أن تدريس الأردية لم يستمر إلا يومين فقط، وكان ذلك استجابة لطلبات عدد من أولياء الأمور، وأن إحدى المعلِّمات اكتفت خلال هذين اليومين بتعريف التلاميذ بحروف الهجاء الأردية فحسب، ومما يبعث على الأسى والقلق أن هذا الاعتداء وقع بحضور رجال الشرطة، ومع ذلك لم تُتخذ أي إجراءات لردع المعتدين أو حماية الضحية.
إن مثل هذه الحوادث تضع وصمة عار على جبين الهند التي تفتخر بديمقراطيتها وتعدديتها الحضارية، فالحقيقة أن هؤلاء ليسوا سوى غوغاء ومتطرفين خارجين على القانون، كان الواجب أن يُقدَّموا إلى القضاء، غير أن بعض الأوساط تصفهم – بكل أسف – بأنهم حماة الثقافة والحضارة الهندوسية، وإن اللغة الأردية –مثل اللغة السنسكريتية– تُعد من أعظم اللغات الحضارية في الهند وأكثرها أصالة وثراء، غير أنها، كما وقع للسنسكريتية في مراحل مختلفة، تعرضت لظلمٍ وإجحافٍ طويلين، وقد عمد بعض الجهلة والمتعصبين إلى وصفها زورًا بأنها لغة أجنبية، وحصروها في المسلمين وحدهم، مع أن هذا الادعاء يناقض الحقائق التاريخية، وقد أكدتُ –بصفتي القاضي– في حكمي الصادر عن المحكمة العالية بإله آباد في قضية “راميش أوبادهياي ضد ولاية أترابراديش 1993م” أن السنسكريتية والأردية هما لغتان حضاريتان عظيمتان في الهند، ودعوتُ إلى تدريسهما في جميع المدارس الهندية بصورة إلزامية لمدة خمس سنوات على الأقل، حتى الصف الثامن، وكتبتُ في الفقرة الرابعة عشرة من حكمي أن الأردية لغة هندية عظيمة، لكنها أُلصقت بالمسلمين وحدهم ظلمًا وزورًا، كما بيَّنتُ أن الإدارة البريطانية، في إطار سياسة “فرِّق تسد” روَّجت للدعوى الباطلة القائلة بإن الهندية لغة الهندوس، والأردية لغة المسلمين، بينما تؤكد الوقائع التاريخية أن الأردية كانت اللغة المشتركة لجميع المتعلمين في شمالي الهند، بل وفي بعض مناطق جنوبيها أيضًا، من هندوس ومسلمين وسيخ على السواء.
وقد خلَّد كبار الأدباء والشعراء، أمثال مير تقي مير، وميرزا أسد الله غالب، وفيض أحمد فيض، وفراق غوركبوري، وجوش مليح آبادي، اللغة الأردية بإنتاجهم الأدبي الرفيع، الذي يمثل أحد أسمى نماذج التراث الثقافي المشترك في الهند، واليوم يعيش الشباب حالة من الاغتراب عن جذورها الحضارية، ويتزايد لديهم الشعور بالضياع الثقافي، بينما يكاد كثير من الشباب يجهلون اللغتين الحضاريتين الكبيرتين: السنسكريتية والأردية، ولو دُرِّستا في المدارس مدة لا تقل عن خمس سنوات، لأمكن للطلاب أن يكتسبوا معرفة أساسية بهما، يطورونها لاحقًا بجهودهم الذاتية، فتزداد صلتهم بتاريخهم وتراثهم وهويتهم الثقافية المشتركة، كما أن هذه الخطوة ستُضعف محاولات التيارات المتطرفة التي تتخذ من الدين وسيلة لإثارة الانقسام وتمزيق وحدة المجتمع.
إن اليمينيين المتطرفين الذين يعادون اللغة الأردية، واعتدوا على مدير المدرسة في تلنغانة، ليسوا إلا متعصبين جهلة وغوغاء، يفتقرون إلى اطلاع على حقيقة الحضارة الهندية، وتقاليدها العريقة القائمة على التعايش والتنوُّع، وتراثها الثقافي المشترك المعروف بـ”ثقافة غنغا ـ جَمنا”. وهؤلاء سبب خزيٍ للشعب، لا مصدر فخرٍ له، إن الاعتداء على اللغة الأردية ليس اعتداء على لغة بعينها، وإنما هو اعتداءٌ على التراث الحضاري للهند، وعلى ثقافتها المشتركة، وعلى هويتها التاريخية الجامعة، ومن ثم فإن من الواجب أن تُدرَّس الأردية، إلى جانب السنسكريتية في جميع مدارس الهند تدريسًا نظاميًا لمدة لا تقل عن خمس سنوات، حتى تنشأ الأجيال الجديدة وهي أكثر وعيًا بتاريخها، وأعمق صلة بتراثها الحضاري، وأشد تمسكًا بهويتها الوطنية. (معربة من صحيفة “انقلاب” الأردية، 3/يوليو 2026م)

